حين تأخر الوصول
كان يمشي في الطريق وحده، لا يحمل في يده إلا حلمًا، وفي قلبه أملًا، وفي عينيه سؤالًا لا ينام.
كلما رأى الناس يصلون قبله، ظنّ أن نصيبه قد ضاع، وأن قطار الحياة قد فاته، وأن الأبواب التي فُتحت لغيره قد كُتبت عليه موصدةً إلى آخر العمر.
وكان يقول في نفسه:
«لماذا تأخر دوري؟ ولماذا أُعطي غيري ما تمنّيته؟ ولماذا أسير طويلًا في طريقٍ قصير؟»
حتى جاء يومٌ أثقل الحزن فيه قلبه، فجلس عند طرف الطريق، وأسند ظهره إلى شجرةٍ عتيقة، وقال:
— يا رب، لقد تعبت من الانتظار، وأرهقني السؤال، وأوجعني أن أرى أحلامي تمضي أمام عيني ولا أستطيع اللحاق بها.
وبينما هو كذلك، مرّ به شيخٌ وقور، تبدو على وجهه آثار السنين، وفي عينيه هدوء العارفين.
جلس إلى جواره وقال:
— ما الذي أبكاك يا بني؟
قال:
— أبكاني أنني أسعى ولا أصل، وأزرع ولا أحصد، وأدعو ولا أرى ما دعوت به.
ابتسم الشيخ وقال:
— وهل تظن أن كل ما تأخر قد ضاع؟
سكت الشاب.
فقال الشيخ:
— يا بني، إنّ بعض الأبواب لا تُغلق رفضًا، وإنما تُغلق حمايةً. وبعض الطرق لا تنقطع عقوبةً، وإنما تنقطع نجاةً. وبعض الأمنيات لا تتأخر بخلًا، وإنما تتأخر لأن وقتها لم يأتِ بعد.
ثم أشار إلى شجرةٍ أمامهما وقال:
— أتراها؟
قال:
— نعم.
قال:
— كم استغرقت حتى صارت شجرة؟
قال:
— لا أدري.
قال الشيخ:
— لأنها لم تكن تستعجل الثمر وهي لا تزال جذورًا، ولم تكن تستعجل الظل وهي لا تزال غرسًا. لو استعجلت، لما نضجت؛ ولو انكسرت من طول الانتظار، لما أثمرت.
ثم نظر إليه وقال:
«وأنت كذلك؛ لا تستعجل ثمرةً لم يحن أوانها، ولا تحزن على بابٍ لم يُؤذن لك بدخوله، ولا تقارن بدايتك بنهاية غيرك.»
خفض الشاب رأسه، وكأن الكلمات كانت تمسح عن قلبه غبارًا تراكم عليه أعوامًا.
ثم قال:
— ولكنني أخاف أن أمضي عمري كله منتظرًا.
فقال الشيخ:
— لا تخف من طول الطريق، وخف من أن تصل إلى نهايته وأنت لم تتعلم شيئًا. فالحياة ليست سباقًا إلى الوصول، بل رحلةٌ إلى النضج؛ وليس كل تأخيرٍ خسارة، فربما كان التأخير هو عين العطاء.
ثم نهض الشيخ ومضى.
ناداه الشاب:
— يا شيخ، ما اسمك؟
التفت الشيخ وقال:
— اسمي الصبر، ومن عرفني لم يندم، ومن صاحبني لم ينهزم.
ثم اختفى بين الناس.
وقف الشاب طويلًا يتأمل الطريق، ثم ابتسم لأول مرة منذ زمن.
لم يتغير شيء حوله؛ لم تُفتح الأبواب، ولم تصل الرسالة التي ينتظرها، ولم تتحقق أمنيته في تلك اللحظة.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر…
تغيّر قلبه.
ومنذ ذلك اليوم، صار يعمل دون استعجال، ويدعو دون يأس، ويسعى دون مقارنة، وينظر إلى تأخر الأشياء بعينٍ مختلفة.
فإذا رأى أحدًا سبقه، قال:
«له وقته، ولي وقتي.»
وإذا أُغلق في وجهه باب، قال:
«لعلّ خلفه خيرًا لا أراه.»
وإذا طال عليه الانتظار، قال:
«ما دام الأمر بيد الله، فلا خوف من التأخير.»
ومضت الأعوام…
وفي يومٍ لم يكن ينتظره، فُتح له بابٌ أعظم مما تمنى، وجاءته أمنيةٌ أجمل مما دعا، ووصل إلى مكانٍ لو خُيّر بينه وبين ما كان يتمناه قديمًا، لاختار هذا المكان دون تردد.
جلس ذات مساءٍ في المكان الذي حلم به طويلًا، وتذكر أيامه القديمة، فابتسم وقال:
«الآن فهمت لماذا تأخرت.»
ثم رفع بصره إلى السماء وقال:
«يا رب، كم مرةٍ ظننت أنني أضعت الطريق، فإذا بك أنت الذي كنت تقودني إلى الطريق الصحيح.»
ومن يومها، لم يعد يخاف من التأخير.
فقد علم أن:
ما كتبه الله لك لن يفوتك، وما لم يُكتب لك لن تناله ولو اجتمع لك أهل الأرض جميعًا.
وأن بعض الأمنيات لا تأتي حين نريدها، بل حين نكون مستعدين لها.
وأن أجمل الوصول ليس أن تصل مبكرًا، وإنما أن تصل وأنت ممتنٌّ لكل خطوةٍ أوجعتك، ولكل بابٍ أغلق في وجهك، ولكل انتظارٍ علّمك أن تثق بالله أكثر مما تثق بتوقيتك.
فلا تستعجل يا صديقي؛
فربما كان تأخرك إعدادًا،
وصمت السماء جوابًا،
وانغلاق الأبواب نجاةً،
وطول الطريق تربيةً،
وما حسبته نهايةً… كان بدايةً.
✍️ بقلم: بللو إسحاق الإمام
4 مشاهدة