
مقال 4 دقائق للقراءة
الزواج.. عقد حب أم صفقة اجتماعية؟
الزواج في المجتمعات العربية ليس مجرد علاقة تجمع بين قلبين، بل مؤسسة اجتماعية تتداخل فيها المشاعر مع العرف، والواجب مع العادة، والحب مع المسؤولية، فهناك من يدخل الزواج بحثا عن الاستقرار وتكوين أسرة ومشاركة الحياة مع شخص يختاره بإرادته، وهناك من يدخله تحت ضغط العمر أو كلام الناس أو رغبة العائلة، حتى يجد نفسه أمام حياة اختارها المجتمع له قبل أن يختارها هو لنفسه، وكأن الزواج سفينة يركبها الإنسان بحثا عن شاطئ الأمان، لكنه يكتشف أن الآخرين هم من رسموا لها الطريق، وحددوا وجهتها، وربما اختاروا له حتى من يجلس إلى جواره.
ومن هنا تبدأ قضية الزواج الحقيقية: هل الزواج قرار شخصي يملكه طرفاه، أم قرار تتدخل فيه الأسرة والعادات ونظرة المجتمع إلى درجة يصبح معها الاختيار الفردي محدودا؟
في كثير من الأحيان يتحول الزواج من مساحة يلتقي فيها شخصان بإرادتهما إلى ما يشبه الصفقة الاجتماعية، لا يعود السؤال دائما: هل يوجد توافق بين الطرفين؟ وهل يستطيع كل منهما أن يحترم الآخر ويتحمل مسؤولية الحياة معه؟ بل قد تصبح الأسئلة مرتبطة بالمهر والشبكة والمستوى الاجتماعي والمظاهر والولائم، وبمدى قدرة الطرفين على إرضاء عائلتيهما قبل التفكير في قدرتهما على بناء حياة مشتركة، وكأن الزواج أحيانا يتحول إلى سوق كبير توضع فيه المشاعر على الرف، ثم يبدأ الجميع في المساومة على قيمتها، بينما يقف صاحبا العلاقة في الخلف وكأن حياتهما نفسها أصبحت موضوعا للتفاوض، وكأن الحب والتوافق لا يكفيان وحدهما، بل يحتاجان إلى موافقة المجتمع حتى يصبحا مقبولين. وهنا تصبح المشاعر وكأنها توضع على ميزان العادات والتقاليد، ويصبح الزواج مشروعا تشارك فيه أطراف كثيرة، بينما الطرفان اللذان سيعيشان هذه الحياة قد يكونان آخر من يملك القرار الحقيقي، وكأن حياتهما أصبحت مسرحا كبيرا يقف على خشبته الجميع ليرسموا المشهد ويحددوا أدواره، بينما يقف صاحبا الحكاية في المنتصف، عاجزين عن تغيير النص الذي كتب لهم قبل أن تبدأ الحكاية.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الزواج في فكرة الضغط الاجتماعي وحدها، فالزواج في جوهره شراكة إنسانية تقوم على الاختيار والاحترام والتفاهم والمسؤولية، والحب وحده، رغم أهميته لا يكفي دائما لبناء حياة مستقرة، لأن الحياة الزوجية لا تقوم على المشاعر فقط، بل تحتاج أيضا إلى النضج والقدرة على الحوار وتقبل الاختلاف وتحمل المسؤولية ومواجهة الأزمات معا.
فالحب الحقيقي حين يقترن بالوعي يتحول الزواج معه إلى فعل بناء، ويصبح البيت أكثر من جدران تجمع شخصين، بل وطنا صغيرا يأوي إليه كلاهما حين تضيق بهما الحياة، يتقاسمان الحلم والخذلان، الفرح والدمع، والانتصارات والانكسارات، ولا يحتاج الإنسان في الزواج إلى شخص يكمله، بقدر ما يحتاج إلى شريك يشاركه رحلة اكتماله، ويعرف كيف يسنده حين تثقل به الحياة.
لكن حين يغيب الحب والاحترام والتوافق، قد يتحول الزواج إلى قفص ذهبي تزينه العادات من الخارج بينما يتآكل من الداخل، يعيش الطرفان معا، لكنهما في الحقيقة غريبان تحت سقف واحد، يجمعهما الواجب وتفرقهما المسافة التي يصنعها غياب المشاعر، يصبح البيت أشبه بساعة تدور عقاربها كل يوم، لكنها لا تصل إلى شيء، مجرد روتين مستمر يخفي وراءه فراغا لا تملؤه المظاهر ولا تحفظه الأوراق.
وفي المقابل، لا يعني الزواج القائم على الاختيار أن الحياة ستكون خالية من الخلافات، فاختيار الإنسان لشريكه لا يعني أنه اختار شخصا مثاليا، ولا أن الحب سيبقى في صورته الأولى إلى الأبد، فالزواج الحقيقي يختبر المشاعر في التفاصيل اليومية، وفي لحظات الغضب والاختلاف والمرض والضيق، وفي قدرة كل طرف على أن يحافظ على احترام الآخر حتى عندما يختلف معه، ولهذا فإن نجاح الزواج لا يقاس فقط بكيفية بدايته، بل بما يستطيع الطرفان أن يبنياه بعد البداية.
وتبقى مسؤولية المجتمع أيضا في أن يفهم أن الزواج ليس سباقا اجتماعيا، وأن تأخر الإنسان في الزواج ليس فشلا، وأن الزواج لمجرد الهروب من الوحدة أو الخوف من كلام الناس قد يصنع وحدة أشد قسوة داخل بيت مزدحم، كما أن تدخل العائلة حين يتحول من النصح إلى فرض القرار قد يجعلها تختار حياة لشخص لن تعيش تفاصيلها معه.
لذلك فالسؤال الأهم ليس: هل الزواج ضرورة أم اختيار؟ ولا هل الزواج عن حب أفضل أم الزواج التقليدي؟ وإنما: هل يملك الإنسان حق اختيار شريك حياته بوعي وحرية، وهل يدخل الزواج وهو يعرف معنى المسؤولية التي تنتظره؟
فالزواج لا ينجح بورقة موقعة، ولا بمهر مرتفع، ولا بحفل كبير، ولا برضا المجتمع وحده. كما أنه لا ينجح بالحب وحده، إنما يحتاج إلى اختيار واع، واحترام متبادل، ورحمة، وتفاهم، ومسؤولية، وقدرة على أن يرى كل طرف الآخر إنسانا مستقلا لا ملكية خاصة له.
وفي النهاية، ليست المشكلة في الزواج نفسه، بل في الطريقة التي ننظر بها إليه. حين يصبح الزواج قرارا يختاره الإنسان بوعي، ويشارك فيه أهله بالنصح لا بالفرض، ويقوم على الحب والاحترام والمسؤولية، فإنه يتحول إلى شراكة حقيقية بين شخصين اختارا أن يواجها الحياة معا، أما حين يتحول إلى استجابة للخوف أو ضغط العمر أو كلام الناس، فقد يصبح الإنسان متزوجا أمام المجتمع، لكنه وحيدا في حياته.
فالزواج في حقيقته ليس أن تجد شخصا تعيش معه، بل أن تجد شريكا تستطيع معه أن تبني حياة تستحق أن تعاش.
