إدمان الحياة
إدمانُ الحياة
ربما لا أخشى الموت؛
بل أخشى أن تضعَ الحياةُ يدَها في فمي،
وتعدَّ أسناني،
ثم تنسى أن تغلقني.
أخشى عادتها السيئة:
أن توقظني كلَّ صباح،
وتنفخَ في رئتيَّ غبارًا،
ثم تطلبَ مني أن أواصلَ التنفّس.
الحياةُ لا تقتلنا؛
إنها تطيلُ الطريقَ إلى المقبرة،
حتى تتعبَ المقابرُ من انتظارنا.
الموتُ حادثةٌ صغيرة
في نهاية إدمانٍ طويل؛
كأن يشربَ رجلٌ البحرَ
ثم يكتشفَ أن عطشه
كان جالسًا في قاعه منذ البداية.
كثيرٌ من الرفاق
رحلوا دون إخباري.
تركوا أبوابَ العودة مفتوحة،
لكنهم سرقوا منها المقابض.
منذ ذلك الحين،
تتسكّعُ أحلامُهم في الشوارع بلا أصحاب،
وتنامُ أسماؤهم تحت ألسنتنا؛
كلما نطقنا بها،
استيقظتْ وأكلتْ حرفًا.
وحدها الشواهدُ بقيت.
كائناتٌ حجرية
تحدّقُ في السماء بعيونٍ لا وجود لها،
وتخفي وراء ظهورها
جملًا ناقصة،
كأنها تنتظرُ مترجمًا
بقاموسٍ من تراب.
كنتُ أمرُّ بينها،
فأسمعُ الحجرَ يسعل،
والترابَ ينادي الموتى
بأسماءٍ خاطئة.
قلتُ لشاهدٍ:
أين صديقي؟
فأجاب:
كان هنا،
لكنه خرجَ يبحثُ عن قبرٍ
يليقُ بغيابه.
أعترفُ أن صلواتي رديئة.
أضعُ السماءَ أمامي
ولا أعرفُ أين أبدأ.
تصعدُ صلاتي على سلّمٍ مكسور،
فتسقطُ في منتصف الطريق
وتعودُ إليَّ بجناحين من ملح.
ومع ذلك، أصلّي؛
كي لا تنسى الأرضُ اسمي،
وكي لا تستعملَ المقابرُ جسدي الفارغ
مقعدًا للغبار.
أصلّي لأنني لا أخشى الموتَ حقًا،
بل أخشى أن أموتَ
قبل أن أجدَ المعنى
الذي تركتُه ذاتَ ليلة
في ثقبٍ صغير من جيبِ الحياة.
أنا مدمنُ حياة.
أشربُها من الكأس
حتى حين تكونُ مملوءةً بالمسامير،
وأعضُّ على أيامها
فتنزفُ الساعاتُ في فمي.
أنامُ فوق سريرٍ تحتَه مقبرة،
وأستيقظُ على تصفيقِ موتاي؛
لأنني ما زلتُ أرتكبُ
خطأَ البقاء.
يا لهذه العادة السيئة...
كلما حاولتُ تركَ الحياة،
وضعتْ رأسَها على كتفي وقالت:
ابقَ قليلًا...
هناك شاهدٌ لم يُترجم بعد،
واسمٌ نائمٌ تحت لسانك،
وموتٌ لم يجد طريقه إلى جسدك.
فأبقى.
لا حبًّا في الحياة،
بل خوفًا من أن تذهبَ قبلي،
وتتركني وحدي
مع كلِّ هذا المعنى.
علال حمداوي الإدريسي