
مقال 4 دقائق للقراءة
نجاح لا تراه مجتمع
هل يكفي أن نقيس نجاح المنصة بما يحدث داخلها؟ أم أن أعظم أثرها قد يكون فيما يحدث خارجها؟
دخلت #مجتمع قارئا.
وكان يكفيني في البداية أن أقرأ ما يكتبه الآخرون... ثم وجدت نفسي أبحث في الكتب... وأنشر ما أقرأ... وأدخل في أسئلة أكبر من مجرد منشور وتعليق. وهنا بدأت أفكر في شيء مختلف: • كيف نعرف أن "مجتمع" نجحت؟ السؤال يبدو بسيطا، خصوصا أن المنصة تملك أرقاما كثيرة تخبرنا بما يحدث فيها: عدد الأعضاء... المنشورات... التعليقات... التفاعلات... نقاط النشاط والانتشار. لكن "مجتمع" نفسها تقول شيئا لافتا:
"القراءة بداية لا نهاية".
وهذه العبارة جعلتني أتساءل: • إذا كانت القراءة بداية... فأين نقيس ما يحدث بعدها؟
أربعة مشاهد من داخل "مجتمع"
المشهد الأول: الموسوعة
شخص يفتح "موسوعة الأدب العربي"، فيقرأ عن شاعر لم يكن يعرفه. يغلق التطبيق، ثم يبحث بعد أيام عن ديوان ذلك الشاعر، ويقرأه، ويعود إلى مجتمع ليكتب عنه. على المنصة قد تسجل الأرقام زيارة لصفحة الموسوعة. لكن خارجها حدث شيء أكبر: معلومة قادت إلى كتاب... وكتاب قاد إلى معرفة... ومعرفة عادت إلى المنصة من جديد.
المنصة لم تفقد المستخدم عندما خرج، بل أرسلته إلى العالم ثم استقبلته وقد عاد بشيء جديد.
المشهد الثاني: المجالس الصوتية
شخص ينضم إلى مجلس عن "أثر الشعر في تشكيل الوعي". يسمع رأيا يخالفه، ولا يقتنع به، لكنه يخرج وهو يفهم وجهة النظر الأخرى أكثر مما كان يفهمها قبل دخوله. على المنصة قد يكون مجرد مستمع لم يعلق ولم يشارك. لكن داخله حدث شيء. وهذه النتيجة يصعب اختزالها في رقم داخل لوحة الإحصاءات.
المشهد الثالث: الدورات
شخص يتابع دورة في الأدب، وينهيها، ثم ينسى معظم ما فيها. لكنه يتذكر فكرة واحدة، يكتبها في دفتره، ويعود إليها بعد أشهر، ثم يكتب بعد عام مقالا تتضمنه. • هل عدد الدروس التي أكملها هو القصة الحقيقية؟ • أم أن القصة هي أن فكرة واحدة نجت من النسيان؟
المشهد الرابع: أثر يتجاوز الشاشة
شخص يجلس مع أسرته أو أصدقائه، فيطرح فكرة قرأها أو ناقشها هنا. قد لا يعرف من حوله أين بدأت الفكرة. لكنها انتقلت من شاشة إلى عقل، ومن عقل إلى عقل آخر. المنصة هنا لم تكسب مستخدما جديدا في سجلاتها، لكنها تركت أثرا في أشخاص لم يدخلوها أصلا. وهذا أيضا نجاح. هذه المشاهد الأربعة تشترك في شيء واحد: تبدأ داخل "مجتمع"، لكن أثرها لا يتوقف عند حدودها. وهنا يصبح السؤال أكبر: • هل نجاح المنصة هو فقط ما تستطيع المنصة قياسه؟ مجتمع لديها #الرائج، و #لآلئ_اليوم، و #اختيارات_مجتمع، وتسعى إلى إبراز المحتوى الهادف والمعرفي والقيّم. لكن ربما يكون هناك نوع آخر من الأثر لا يظهر بسهولة: منشور لم يحصد أكبر عدد من التفاعلات، لكنه جعل شخصا يفتح كتابا. أو فكرة لم تصبح رائجة، لكنها غيّرت طريقة شخص في النظر إلى موضوع. أو نقاش لم ينته بانتصار أحد، لكنه جعل طرفيه أكثر فهما لبعضهما. أو قارئ لم يكن ينوي الكتابة أصلا، ثم وجد نفسه بعد أشهر يشارك الآخرين بما تعلمه. هذه الأشياء قد لا تظهر كاملة في لوحة الإحصاءات، لكنها قد تكون من أهم علامات النجاح.
الأرقام ضرورية... لكنها مؤشرات... وليست تعريفا كاملا للنجاح. فالأرقام تخبرنا كثيرا عما حدث داخل المنصة، لكنها لا تخبرنا بالضرورة بما حدث للإنسان. ولهذا ربما يستحق سؤالا موازيا:
• هل أصبح الإنسان الذي يستخدم "مجتمع" أكثر معرفة؟ • أكثر قدرة على الحوار؟ • أكثر رغبة في القراءة؟ • أكثر استعدادا للمشاركة؟ وربما يكون الاختبار الأجمل بسيطا: أن يغلق الإنسان "مجتمع"... ثم يذهب إلى كتاب، أو إلى فكرة، أو إلى تجربة، أو إلى عمل نافع. ثم يعود يوما ليشارك الآخرين بما تعلم. عندها لا تكون "مجتمع" قد جعلته يبقى فيها أطول فحسب، بل جعلته يخرج منها أفضل. فقيمة المنصة لا ينبغي أن تقاس فقط بالوقت الذي أخذته منا، بل بما أعطتنا إياه في المقابل. فالوقت الذي ينتهي بانتهاء التصفح شيء، والوقت الذي يخرج منه الإنسان بفكرة أو معرفة أو عادة جديدة شيء آخر.
سؤال من قارئ
أنا لا أكتب هذا بصفتي مطورا، ولا مستثمرا، ولا ناقدا تقنيا. أكتب بصفتي قارئا دخل هذا المكان، وتغير فيه، ويريد أن يبقى هذا المكان قادرا على تغيير غيره. ولهذا لا أسأل: • كيف تطورون "مجتمع"؟ • ولا ماذا ينقصها؟ • ولا كيف تنافس المنصات الأخرى؟ سؤالي أبسط وأعمق:
• كيف ستعرفون أن "مجتمع" نجحت؟ • هل يكفي أن يكبر عدد مستخدميها؟ • أم أن من علامات نجاحها أيضا أن يخرج منها إنسان أكثر قراءة، وأكثر فهما، وأكثر قدرة على الحوار؟ • أن يشتري كتابا بسبب فكرة قرأها هنا؟ • أن يفهم إنسانا اختلف معه؟ • أن يتحول قارئ واحد على الأقل إلى كاتب؟ • أن يحمل معه شيئا من "مجتمع" إلى حياته، حتى بعد أن يغلق التطبيق؟ أن يحمل معه شيئا من "مجتمع" إلى حياته، حتى بعد أن يغلق التطبيق؟ • • أن يتحول ما تعلمه إلى عمل ينفع به مجتمعه؟ • أن يسهم ما قرأه وفهمه وناقشه في نهضة أمته؟ • إذا كبر "مجتمع" يوما، فهل سنقيس نجاحها فقط بعدد من بقوا داخلها، أم بعدد من خرجوا منها بشيء أفضل؟ وربما يكون بعض أهم نجاح "مجتمع" موجودا في أماكن لا تستطيع "مجتمع" نفسها أن تراها. خارج التطبيق.
— عبدالرحمن بن صالح
#غواص_المعاني أغوص في بحر القراءة... لأعود بدرة.💎
