
مقال دقيقتان للقراءة
في البدء كان الشعر
كانت بدايتي مع الشعر في وقتٍ متأخر من إحدى ليالي أيلول سبتمبر عام 2011م، في "قرية الميمون" في الجنوب الموريتاني، حيث كتبت بيتاً ونصف ورغم مُحاولتي عدة ساعاتٍ متتالية إلا أنني فشلت في كتابة الشطر الأخير من البيت الثاني، ولكنني كنت سعيداً جداً بتلك الكلمات المنظومةِ التي كتبت، وكأنني اكتشفتُ (الذرة)، إذ لم أستطع أن أنتظر الصباح فاتصلت بخالي: "أحمدُ الحسن" ـ أو كما أُحِبُّ أن أُسَمّيه: "بُلّاه" ـ والذي كان حينها في مدينة "نواذيبو" في أقصى الشمال الموريتاني، كان اتصالي فقط كيْ أسأله ما إذا كان ما كتبتُهُ سليماً عروضياً أم لا، وقد أخبرني خالي بأن ما كتبته يُبشر بشاعر وشيك واحتفى بي جميلاً، كنتُ سأتحدث هنا عن خالي أكثر ولكن الأبجدية تضيق عن ذلك، وربما سأحتاج مصنفاً مستقلاً لو تحدثت عن قليله فقط، ولكن ربما أحاوله لاحقا، هو باختصار معلمي وأخي وصديقي وأشياء أخرى.
منذ ذلك الوقت بدأتُ أكتب، وكنت أكثر ما أكتب الرثاء فقد كان عدّاد الموت شغالاً جدا في أهلي، كتبتُ الكثير من النصوص ما بين الرديء والرديء جدا وكانت ما بين توديع للموتى من أهلي والقرى المُجاورة أو ما كتب في شخصيات عامة، وطنية كانت أم دولية، وهنا أذكر نصا كتبته في وداع العظيم: "نيلسون مانديلا" في مطلع كانون الأول ديسمبر عام 2013م، وهذا النص من أكثر النصوص التي أتحسر على ضياعها، وأما الجزء الآخر من كتاباتي فقد كان تشبيباً بجميلاتِ القرية وبعض جميلات الوطن والعالَم أيضاً، وأذكر من النصوص الضائعة هنا نصا كتبته في الفنانة العظيمة: "وردة الجزائرية" أواخر أيار مايو عام 2012م.
لقد فقدت أغلب تلك النصوص التي تمثل البدايات الأولى فمنها ما تسرب من حصالة الذاكرة ومنها ما أحرقته أنا عن سابق تخطيط ومنها ما كان بعيد المنال وهذه الأخيرة تنطبق غالبا على الرثائيات والغزليات التي كتبت في راحلين وراحلاتِ وضاعت الأولى على الأُسَر والأخرى عليهن، أو من كانوا بعيدي الدار ولم أجد الوقت للذهاب إليهم أو لم أجد طريقة تواصلٍ معهم ـ أياً كانت ـ للحصول على تلك النصوص.
عندما قررتُ أنني سأجمع تلك النصوص المغضوب عليها لتكون تصانيف شاهدة بكل صدق على محطاتِ عمري التي لا أكفر بها على كل حال.
سيجد القارئ نصوصاً كُتب بعضها في البداياتِ الأولى نحو 2011م، وأخرى كتبت بعد ذلك ولكنها كتبت بمعجمٍ ومناسبات ما عدت أركن إليهما، ولكن كل ذلك كان من باب: (وما أرسلنا من رسولٍ إلّا بلسان قومه ليُبيِّن لهم)، وصدق الله.
نصوص إنما هيَ من غياهب الذاكرة المُتعبة بالأيام، كما اعتمدت على ذاكرة بعض أصدقائي من رفاق السوء والذين كانوا ملتصقين بي طوال زمن الجوع والخطايا ذاك، مثل: "أحمدُ بوالفاللي" "إنجيه" "ول عالي" ولذلك قد يحصل فيها التقديم والتأخير بل والمحو أحيانا، كلما أتمناه أن يجد القارئ صدىً ورائحةً لذلك الطفل الشغوف بالفن الذي كنتُه والذي أنا عليه الآن وسأظله أبدا.
