
مقال 4 دقائق للقراءة
المعلّم... حين يصنع الإنسان قبل أن يصنع العالِم
ــــــــــــــــــ، في اليوم العالمي للمعلم، لا ينبغي أن نتوقف طويلًا عند كلمات التهنئة المعتادة، ولا أن نكتفي بصورة عابرة أو عبارة تُكتب على صفحات التواصل الاجتماعي ثم تمضي مع زحام الأيام. فالمعلّم أكبر من أن تختصره مناسبة، وأعمق من أن تختزله كلمات الشكر؛ لأنه ببساطة أحد الذين يصنعون الإنسان قبل أن يصنعوا العالم من حوله. حين نتحدث عن خدمة العلم والتعليم، فإن أول ما ينبغي أن نستحضره هو ذلك المعلّم الذي وقف أمام السبورة سنوات طويلة، يحمل في يده كتابًا، وفي قلبه مسؤولية أجيال كاملة. ربما لم يكن يملك مختبرًا أو مؤسسة كبرى، لكنه كان يملك شيئًا أكثر تأثيرًا: القدرة على أن يفتح نافذة في عقل طفل، وأن يحوّل سؤالًا صغيرًا إلى رحلة طويلة نحو المعرفة. المعلّم الحقيقي لا يلقّن الطالب المعلومات فحسب، وإنما يعلّمه كيف يفكر، وكيف يسأل، وكيف يبحث، وكيف يختلف دون أن يسيء، وكيف يخطئ ثم يحاول من جديد. ولهذا فإن قيمة المعلّم لا تُقاس بعدد الدروس التي شرحها، ولا بعدد صفحات الكتب التي أنجزها، وإنما بعدد العقول التي أضاءها والقلوب التي منحها الثقة والأمل. وإذا تأملنا مسيرة العلم في أي مجتمع، سنجد أن وراء الطبيب معلّمًا، ووراء المهندس معلّمًا، ووراء الباحث معلّمًا، ووراء الكاتب والشاعر والمفكر معلّمًا ترك في داخله أثرًا ربما لم يعرف هو نفسه حجمه الحقيقي. قد ينسى الإنسان اسم أول درس تلقاه، وقد لا يتذكر كثيرًا من تفاصيل سنوات الدراسة، لكنه نادرًا ما ينسى معلّمًا آمن به في وقت لم يكن يؤمن فيه بنفسه. لقد أسهم المعلمون عبر الأجيال في نقل المعرفة من جيل إلى جيل، وحفظوا للعلم استمراره، وللمدرسة رسالتها، وللمجتمع قدرته على التجدد. فالتعليم ليس مجرد عملية لإعداد موظفين للمستقبل، بل هو عملية لبناء وعي الإنسان بذاته وبمجتمعه وبالعالم الذي يعيش فيه. ومن هنا يصبح المعلم شريكًا أساسيًا في صناعة المستقبل، لا مجرد موظف يؤدي ساعات عمل وينصرف. لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن مهمة المعلم اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا. فالعالم تغيّر، والمعلومة أصبحت متاحة بضغطة زر، والتكنولوجيا دخلت الفصل، والذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تقديم إجابات سريعة في مجالات كثيرة. ومع ذلك، لم يفقد المعلم قيمته، بل تغيرت طبيعة دوره. فالمعلومة يمكن أن تكون متاحة للجميع، أما القدرة على فهمها وتمييز الصحيح من الخاطئ واستخدامها بصورة مسؤولة، فتحتاج إلى إنسان يوجّه ويشرح ويناقش ويزرع في الطالب روح البحث والنقد. المعلّم لا ينافس التكنولوجيا، وإنما يستطيع أن يجعلها أداة في خدمة الإنسان. فالشاشة تستطيع أن تعرض المعلومة، والآلة تستطيع أن تجيب عن السؤال، لكن المعلّم يستطيع أن يسأل الطالب سؤالًا يجعله يعيد النظر في كل ما يعرفه. يستطيع أن يكتشف موهبة خفية، وأن يلاحظ طالبًا فقد ثقته بنفسه، وأن يمنحه كلمة صغيرة قد تغيّر مسار حياته كاملة. ومن أعظم ما قدمه المعلم لخدمة العلم أنه لم يكتفِ بنقل المعرفة، بل حافظ على قيمة المعرفة نفسها. علّم الأجيال أن العلم ليس وسيلة للحصول على شهادة فقط، وإنما مسؤولية، وأن التعليم ليس طريقًا إلى الوظيفة وحدها، وإنما طريق إلى بناء شخصية قادرة على المشاركة في الحياة وصناعة الحلول وتحمل المسؤولية. ومع ذلك، فإن الاحتفاء بالمعلم لا ينبغي أن يكون في يوم واحد من العام ثم نعود إلى نسيانه بقية الأيام. تكريم المعلم الحقيقي يبدأ من تقدير رسالته، وتوفير البيئة التي تساعده على أداء عمله، واحترام مكانته، وتطوير أدواته، والاستماع إلى مشكلاته، ومنحه ما يستحقه من دعم مادي ومعنوي. فكيف نطالب المعلم بأن يصنع جيلًا قادرًا على صناعة المستقبل، ثم نتركه يواجه تحديات الحاضر وحده؟ إن المجتمعات التي تريد أن تنهض بالعلم والتعليم لا تبدأ من المباني وحدها، ولا من الأجهزة الحديثة وحدها، بل تبدأ من الإنسان الذي يقف خلف العملية التعليمية. وكل إصلاح حقيقي للتعليم لا بد أن يضع المعلم في قلبه، لأن المنهج مهما كان متطورًا، والكتاب مهما كان جيدًا، والتقنية مهما بلغت من الذكاء، تظل بحاجة إلى إنسان يعرف كيف يحولها إلى معرفة حية تصل إلى عقل الطالب ووجدانه. في اليوم العالمي للمعلم، ربما تكون أجمل تحية يمكن أن نقدمها له أن نتذكر أن وراء كل إنسان تعلمناه، وكل فكرة فهمناها، وكل حلم استطعنا الوصول إليه، يدًا ما امتدت ذات يوم لتدلنا على الطريق. فشكرًا لكل معلّم لم يكتفِ بأن يشرح درسًا، بل علّم إنسانًا كيف يرى العالم. وشكرًا لكل معلّم اكتشف في طالب موهبة قبل أن يكتشفها صاحبها. وشكرًا لكل من حمل رسالة التعليم بإخلاص، وعرف أن أثره الحقيقي قد لا يظهر اليوم، لكنه قد يظهر بعد سنوات، حين يقف أحد تلاميذه في مكان ما، يحمل علمًا أو قلمًا أو مسؤولية، ويكتشف أن جزءًا من نجاحه بدأ من كلمة قالها له معلّم ذات يوم. كل عام والمعلمون بخير، وكل عام ورسالتهم النبيلة حاضرة في صناعة الإنسان والعلم والمستقبل.
بقلم / احمد عزيز الدين احمد كاتب وروائي وشاعر
