"أَنَا وَالمِرْآةُ وَالحَيَاةُ"
لِأَنَّكِ حَتْمًا لَا تَعْلَمِينَ شَيْئًا عَنِّي، أَقْدَمْتُ عَلَى إِسْكَاتِ العَالَمِ حَوْلِي لِأُجَالِسَكِ وَنَفْسِي مَعًا.
أَسْكَتُّ كُلَّ صَوْتٍ وَخَفَّفْتُ الأَضْوَاءَ إِلَى مَا يَسْمَحُ بِتَحَسُّسِ الوُجُودِ، فَقَطْ شَمْعَةٌ، تَذُوبُ احْتِرَاقًا بَيْنَنَا تَكْفِي لِنَرَى بَعْضَنَا البَعْضَ.
تَنَهَّدَتْ مِرْآتِي وَقَالَتْ: لَيْتَنِي أَرَاكَ كَمَا تَرَى عَيْنُ البَشَرِ، إِنَّهَا لَا تَرَى فَحَسْبُ بَلْ تَقْرَأُ أَيْضًا.
قُلْتُ:
تَبًّا لِلْبَشَرِ وَمَا يَرَوْنَ، إِنَّهُمْ عَلَى رُؤْيَتِهِمْ لِلْيَقِينِ يَتَعَمَّدُونَ خَلْقَ صُوَرٍ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَعَلَى مَا يَعْلَمُونَ مِنْ سُبُلٍ آمِنَةٍ يَخْتَارُونَ الخَطَرَ.
إِنَّنِي أَمُوتُ احْتِرَاقًا مِثْلَ هَذِهِ الشَّمْعَةِ، هِيَ تُؤَدِّي وَظِيفَةً مُعَيَّنَةً وَتَمُوتُ، وَأَنَا أَشْعُرُ بِالنَّفْسِ الأَمْرِ يَحْصُلُ مَعِي.
قَالَتْ: وَهَلِ الدُّنْيَا غَيْرُ وَظَائِفَ وَأَعْمَالٍ تُنْجَزُ؟!
نَعَمْ، هِيَ كَذَلِكَ؛ لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّ فِي الأَمْرِ مَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ هُدُوءٍ أَعْشَقُهُ، فَهَذَا العَالَمُ يَسْرِقُ اللَّحَظَاتِ الجَمِيلَةَ مِنِّي بِفَرْضِ الانْتِبَاهِ الدَّائِمِ لِمَا يَجْرِي فِيهِ.
قَالَتْ: أَلَيْسَ الأَمْرُ ضَرُورِيًّا؟
لَا، عَلَى الإِطْلَاقِ، وَأَنَا لَا أُحِبُّ هَذَا، كَمَا لَا أُحِبُّ التَّخْطِيطَ لِحَيَاتِي كَمَا لَوْ كَانَتْ شَرِكَةً وَكُنْتُ مُدِيرَ أَعْمَالٍ عَلَيْهِ تَوْظِيفُ كُلِّ مَا يُمْكِنُ تَوْظِيفُهُ مِنْ طَاقَةٍ وَاسْتِهْلَاكِهَا، فَلَا يَبْقَى بَعْدَهَا لِشَخْصِي عَقْلٌ يُفَكِّرُ بِغَيْرِ الرِّبْحِ المَادِّيِّ وَالشُّهْرَةِ، أَوْ قَلْبٌ يَسْتَشْعِرُ السَّعَادَةَ فِي أَبْسَطِ الأُمُورِ.
آهِ، لَوْ تَعْلَمِينَ يَا مِرْآتِي، كَمْ أُحِبُّ حَيَاتِي الأُخْرَى؛
حَيَاةً أَتَأَمَّلُ فِيهَا مَرَاحِلَ وِلَادَةِ السَّعَادَةِ فِي تَفَتُّحِ الزَّهْرِ، وَتَفَتُّقِ الفَجْرِ، وَغَمْغَمَاتِ الرُّضَّعِ، وَضَحِكِ الأَطْفَالِ، وَحَكَايَا العَجَائِزِ… سَتَهْدِينِي كُلُّ لَحْظَةٍ عِشْتُهَا بِوُجْدَانِي لِسَبِيلِي، سَأَرْتَاحُ فَأَتَبَيَّنُ أَمْرِي جَيِّدًا، وَأَمْضِي فِي إِنْجَازِ أَيِّ مُهِمَّةٍ بِصَدْرٍ رَحْبٍ، وَأُبْدِعُ قَدْرَ إِيمَانِي بِمَا أَفْعَلُ.
مَا المَانِعُ؟
إِنَّ المَوَانِعَ كَثِيرَةٌ يَا مِرْآتِي مَا دَامَ العَالَمُ يَفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نَعِيشَ الوَاقِعَ أَضْعَافًا، فَنَعْمَلُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِتَلْبِيَةِ حَاجَاتِنَا، ثُمَّ لِخَلْقِ حَاجَاتٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ تَصِيرُ مَعَ الوَقْتِ ضَرُورِيَّةً، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَصْبَحَ البَشَرُ عَبِيدَ مُتَطَلَّبَاتِهِمُ المَصْنُوعَةِ، ثُمَّ نُطَوِّرُ الآلَةَ إِلَى أَنْ تَسْتَغْنِيَ عَنِ الإِنْسَانِ، إِنَّ لِذَلِكَ ضَجَّةَ إِنْجَازٍ تَنْتَهِي لِقَتْلِ صَاحِبِ الإِنْجَازِ.
سَئِمْتُ عَالَمًا يَعْمَلُ عَلَى إِيقَاظِي كُلَّ يَوْمٍ لِمَا يُرِيدُهُ لَا مَا أُرِيدُ.
قَالَتْ مِرْآتِي وَفَتِيلُ الشَّمْعَةِ يَحْتَرِقُ وَدَمْعِي بِهَا لَامِعٌ:
يَا لَهَا مِنْ مَأْسَاةٍ، لَكِنْ أَمَا مِنْ قُدْرَةٍ لَدَيْكَ عَلَى التَّعَايُشِ مَعَ العَالَمِ بِطَرِيقَةٍ مَا؟
كَيْفَ ذَلِكَ؟!
أَلَسْتُ أَحْيَا لِأَمْتَلِكَ طَرِيقَةَ حَيَاتِي وَقَرَارَ العَمَلِ وَالرَّاحَةِ وَرَسْمَ آمَالِي وَاسْتِغْلَالَ مَوَاهِبِي؟ وَأَنْ أَتَمَسَّكَ بِطَبِيعَتِي وَأَعِيشَ الحَيَاةَ بِمَا يَكْفِيهَا مِنْ وَسَائِلَ؟ سَيَكُونُ الأَمْرُ بَسِيطًا، وَتَقِلُّ الصِّرَاعَاتُ، وَتَزْدَهِرُ الفُنُونُ، وَتَصِحُّ النُّفُوسُ لَوْ تَخَلَّصَتْ مِنَ الضُّغُوطِ اليَوْمِيَّةِ الَّتِي فَرَضَهَا الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ.
أَنْتِ جَمَادٌ يَا مِرْآتِي، وَلَيْسَ عَلَيْكِ أَنْ تَتَجَمَّدِي أَكْثَرَ، فَذَاكَ يَحْجُبُ الرُّؤْيَةَ بَيْنَنَا حَتْمًا.
إِذَنْ، اكْسِرِينِي وَتَحَسَّسِي وَحْدَتَكِ مَعَ أَفْكَارِكِ النَّاعِمَةِ المُحْتَرِقَةِ دُونَ جَدْوَى، إِذْ لَا سَبِيلَ لِتَغْيِيرِ عَالَمٍ يُعِيقُ وُجُودَكِ فِيكِ بِشَكْلٍ إِنْسَانِيٍّ أَكْثَرَ.
لَا يُمْكِنُنِي قَطْعُ الصِّلَةِ عَنْ عَالَمٍ أَنْتَمِي إِلَيْهِ، لَكِنْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَمَسَّكَ بِطَبِيعَتِي وَأَنْ أُحِبَّ الحَيَاةَ بِطَرِيقَتِي، أَثْنَاءَ غَفْلَتِهِ عَنْ ضَرُورَةِ التَّخَلُّصِ مِنْ أَعْبَاءٍ زَائِدَةٍ خَلَقَهَا وَرَمَى بِنَفْسِهِ فِي جُبِّ المَخَاوِفِ بِسَبَبِهَا ثُمَّ خَطَّطَ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا، إِنَّهُ يُخَطِّطُ وَيَتَعَلَّمُ لَكِنْ لَا يَتَأَمَّلُ بِعِنَايَةٍ فِي حَاجَةِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ لِلْحِفَاظِ عَلَى قَدْرٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ مَا يَسْمَحُ بِتَآلُفِ رُوحِ الإِنْسَانِ مَعَ رُوحِ الوُجُودِ.
يَا لَهُ مِنْ ظَلَامٍ…
سَكَتَتِ المِرْآةُ، وَبَقِيَ نُورٌ بِدَاخِلِي مَا يَكْفِي لِرُؤْيَةِ نَفْسِي وَالعَالَمِ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ؛ فِطْرَةُ الإِنْسَانِ وَشَيْءٌ مِنَ الفِرَاسَةِ!
رفيقة
2025

35 مشاهدة