
مقال دقيقتان للقراءة
سيكولوجية الشخصية المستبدة: كيف تتحول مشاعر النقص والخوف إلى قسوة واستبداد؟
سيكولوجية الشخصية المستبدة: كيف تتحول مشاعر النقص والخوف إلى قسوة واستبداد؟
تقوم البنية النفسية للشخصية المستبدة على تشوهات إدراكية وآليات دفاع لاشعورية تهدف إلى حماية "أنا" هشة. وتنفصل هذه الشخصية عن الواقع الموضوعي، فتستعيض عنه بعالم داخلي يحكمه جنون العظمة (البارانويا) والرغبة في السيطرة على المحيطين. وتتغذى هذه النزعة من تضخم في الذات يدفع الفرد إلى احتكار الصواب، وتبرير إلغاء الآخرين بوصفهم أدوات أو عقبات تعترض تحقيق أوهامه بالكمال والتفوق.
حين يقترن هذا التكوين بالنزوع السادي، تزداد خطورته. وتفسر المقاربة السيكولوجية سلوك "المعذِّبين" بأن ممارسة القسوة تنبع من هشاشة داخلية وإسقاط نفسي لعيوب الذات ومخاوفها على الضحية. فالمستبد أو الجلاد يمارس إزاحة لاشعورية، إذ يطهر نفسه من مشاعر النقص والضعف بسحقها في جسد الطرف الأضعف ونفسه.
يستند القمع عند هذه الشخصية إلى ميكانيزمات دفاعية، أبرزها "التقمص والمسايرة". فالممارس للقسوة يتماهى مع السلطة ويستمد منها هوية بديلة تمنحه إحساسا زائفا بالقوة. ويمكن ملاحظة ذلك في النماذج البيروقراطية والعسكرية، حيث يتحول الموظف أو الحارس العادي إلى أداة تنكيل، فينفذ انتهاكات جسيمة بدم بارد ودون بصيرة أو تعاطف. ويعود هذا التبلد الوجداني إلى قصور في الخيال العاطفي وعجز عن استيعاب ألم الآخر، ويرافقه اقتناع بأن الضحية تستحق العقاب أو تمثل تهديدا يجب استئصاله.
وتكتمل صورة هذه البنية بالميول "الميكافيلية" المتجذرة فيها. يتعامل المستبد مع العلاقات الإنسانية بمنطق الاستغلال النفعي، وتقوم تفاعلاته على الخداع والمناورة والابتزاز العاطفي أو المادي. ويفتقر هذا النمط إلى الاستقرار الوجداني، ويسيطر عليه قلق دائم من الخيانة، فيستبق التهديدات المتوهمة بهجوم قمعي. ويظهر هنا تناقض نفسي: فالقسوة والولع بإذلال الآخرين يعبران عن خوف داخلي، ومحاولة لترميم ذات تتداعى تحت وطأة الشكوك والبارانويا وانعدام الأمان النفسي.
[Anna Freud, The Ego and the Mechanisms of Defense, Routledge, 1992]
[Sigmund Freud, Group Psychology and the Analysis of the Ego, James Strachey, W. W. Norton & Company, 1989]
[Theodor W. Adorno, Else Frenkel-Brunswik, Daniel J. Levinson, Nevitt Sanford, The Authoritarian Personality, Verso Books, 2019]
#علم_النفس #الشخصية_المستبدة #التحليل_النفسي "صفحة سالم المعرفة "
