
مقال 24 دقيقة للقراءة
الطريق إلى رفح
وشعر بعاطفة الأبوة تجتاح قلبه ومد يده نحو الطفل الذي لم يتردد في الإمساك بها وبدت الصورة أكبر من رجل يمسك بيد طفل؛ إنها صورة من زمن الخذلان، وبتوقيع جيل تفرج على الإبادة بملء بصره.
في هذه الحرب التي أجمع العالم على تسميتها بحرب الابادة، شيع والده الشهيد واطمأن إلى مكانه تحت الثرى وعاد بكنز لا يملكه الآلاف من عوائل الشهداء، إن لوالده قبرا في القرارة يستطيع زيارته ما دام على قيد الحياة.
مشى لا يدري إلى أين، ينظر إلى ظله المتكسر على الركام ويرى فيه ما لا يراه الناس من حوله؛ ها قد أصبح يتيما شأنه شأن آلاف الميتمين في قطاع غزة؛ فهل يكفي يتمه حتى تخمد شهوة المحتل؟ حتى الرمل في غزة، إذا سألته، يجيب من غير تردد: كلا.
بات الطفل ليلته الأولى يتقلب في مواجع اليتم، توقظه الفواجع، وتهدهده الأقدار؛ وعند فجر اليوم التالي، انسل من فراشه وجلس مقرفصا على طرف اللحاف الملتصق بالرمل، وبقي على تلك الحال حتى شعر بيد تمسح رأسه وتجذبه إلى حضن ليس في الكون أدفأ منه، ولو تأخرت تلك اليد قليلا لكان قد أجهش بالبكاء. ارتمى في الحضن الوحيد الذي بقي له بعد والده، لكن تفكيره فيما سيفعل عند انبلاج الصباح لم يتوقف؛ مرت الدقائق سريعة واستيقظت أخته هند ثم تبعتها ناردين؛ وانضمتا إليه واندستا معه كما يندس فرخ الحمام تحت جناح أمه؛ فالأم لها من الاجنحة ما يكفي لتوفر الدفء والأمان للصغار.
كانت خواطره الصغيرة تقول له بأن لكل إنسان طريق سيسلكه في هذه الحياة، وأنه الآن يحمل وسما جديرا بأن يكتب على جبهته؛ إنه ابن الشهيد وأخ الشهيد، ابن فلسطين المحتلة، أرض الأنبياء والشهداء؛ كانت عيناه ترصد تسلل الضوء تدريجيا، ولما عم الضياء، فارق حضن والدته برفق وكأنه يعلن ميلاد رجل لم يسعه ذلك الحضن رغم حاجته اليه، واتجه إلى باب الخيمة ورفع ستار بابها ووقف يتطلع إلى الأفق برهة ثم عاد إلى حيث تجلس والدته، السيدة ميلاء أبو دقة، وقد حسم قراره؛ كانت والدته تراقب تصرفاته غير الاعتيادية وتحاول قراءة ملامحه وهي تدرك أن هناك أمرا ما يشغل باله، وهمت باستدراجه للحديث عما يخفيه، لكنه أعلن فجأة أمامها وأمام أختيه هند وناردين بملامح منكسرة بأنه هو المسؤول عن طعام أسرته.. خاطب والدته التي فقدت السند وأطرقت تفكر في تدبير الوضع الجديد والتجويع قد حصد ما حصد من أرواح بريئة، وقال بصوت تقريري واضح:
ـ إمي، من هون ورايح أنا لي بدور عل إيشي نأكله وأنت خليك جنب هند وناردين.
كان هذا قرار طفل في ربيعه العاشر، لم يستشر أحدا في قراره، كل ما في الأمر أنه عزم وقرر وهو الان يسعى لتنفيذ قراره؛ صحيح أن القرار لا يبدو قرار طفل، لكن في غزة وسائر فلسطين يجبر الأطفال على اتخاذ قرارات الرجال. إن الطفولة هناك ليست كالطفولة في أي مكان آخر من العالم، فالطفل يدرك من محيطه أن الرجال يصبحون رجالا قبل الحلم، إذ ليس أمام الطفل الصغير وقتا يكبر فيه حتى يدخل عالم الكبار، فهو يهيأ لذلك منذ اليوم الذي يتعلم فيه الكلام والمشي؛ فتبدأ رحلته بوصية والدته بأن يحذر من غدر اليهود ويكون شجاعا ولا يخشى المحتلين، وإذا قرأَتْ في عينيه شيئا يخيفه من سلاح المحتل تبادر الى طمأنته قبل أن يسأل وتقول:
- حبيبي يامَّا، المحتلين جبنا، وخايفين مننا، وما بْيِتْمَرْجَلو يطلعوا بدون سلاح، واحنا شجعان وصامدين هون عَ أرْضْنا ما تخوفنا أسلحتهم، إحنا معنا ربْنا وإيمانَّا به أقوى من سلاحْهُم. وإن شاء الله راح ننتصر عليهم ونحرر أرضنا.
يكبر الطفل أمام جبروت دبابات "المركافا" وعربات "النمر" وهي تقتحم عالمه فيقف شامخا أمامها متحديا جبروتها، يرشقها بالحجارة وعينه على الزنانة وهي تحلق فوق رأسه فيسخر منها وهو يقول: "هيك مش مَرْجَلَة"؛ وحين يرى المستوطن يرتجف من صوت انفجار بالون يلعب به طفل فلسطيني، وحين يراقب يد محتل وهي تضغط على الزناد لقتل متظاهر أعزل يهتف " الله أكبر" خوفا من أن تنتصر شجاعته على سلاحه، يتعلم بأن الرجولة تتشكل في أكمل صورتها عندما يكبر الطفل مسنودا بقيم الحق والعدل والجهاد والتحرير، والبطولة والاباء والفداء.
عاش الطفل فترة في مخيم جنين بالضفة الغربية قبل أن تلتحق أسرته بغزة لظروف عائلية، وهو الآن يجد نفسه رجل البيت الوحيد الذي يتعين عليه الاهتمام بأسرته ورعايتها؛ يستشعر دوره تلقائيا كأنه قرأ وصية من أبيه دون أن يبالي بأن الزمن زمن الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الشامل على يد الاحتلال.
ناردين أخته الصغرى لما سمعته يقسم الأدوار طالعته بعين واثقة كأنها تبصم على قراره بأن يكون رجل البيت الذي يقع على عاتقه عيش الأسرة، واقتربت منه وقالت باشتهاء:
- "بدي آكل إيشي طيب وزاكي."
لم تشر إلى طعام معين لأن كل رغباتها السابقة في ظروف الحرب والتجويع بقيت معلقة ، إذ كان كل ما تطلبه مفقودا أو فاحش الغلاء.. وكانت قد تعودت أن تسر بطلباتها لوالدها الذي كان يجتهد في تلبية ما يستطيع منها وقلما كان يوفق في الأيام الأولى للمجاعة التي فرضها الاحتلال على غزة بكاملها وخاصة الشمال والوسط، أما بعد اشتداد الازمة فكان يكافح طوال اليوم من أجل وجبة يتيمة لأطفاله وزوجته لا تسمن ولا تغني من جوع، ويعود مساء وهو يفكر في اليوم الذي يليه، وقبل أن يصل اليهم كان يدعو الله في سره أن يجدهم أحياء ويتذكر المرات الكثيرة التي نجو فيها بأعجوبة؛ وكان دائم التفكير في همجية الصهاينة ويتساءل: ما هذا الضمير الذي لا يرتجف لقتل الأطفال وقد صار عدد الشهداء فيهم بالآلاف؟
إنه السؤال الكبير الذي تطرحه الفطرة السوية في كل مكان وزمان، الفطرة التي لم تتلوث بالأيديولوجية الصهيونية، ولم تتأطر بمفاهيمها التي ترى في قتل الأرواح الإنسانية البريئة إصابات جانبية على هامش الهدف ولو وصل الأمر إلى إبادة جماعية.
نظر الطفل الذي يرى نفسه الآن رجلا إلى أخته ناردين وهو يتقمص دور الاب الحنون والأخ السند، أراد أن يعطيها وعدا لكنه تذكر والده وهو يحدث أمه حول احتمال ألا يجد شيئا كي تستعد لتهيئ الأطفال لاحتمال أن يبيتوا ليلتهم بدون طعام؛ وتبسم في وجهها وأومأ برأسه بأنه جدير بتحقيق طلبها إذا وجد لذلك سبيلا. ولما رأت أخته هند ذلك التصرف منه نطت على قدميها وشرعت تربت على كتفيه دون أن تقول شيئا؛ لكن ذلك الفعل منها كان سببا إضافيا ليشعر أن مسؤولية أسرته في رقبته. كانت هند تصغره بخمسة عشر شهرا.
أطرقت الأم تفكر، وعينها على هذا الفتى الصغير الذي يريد أن يصير كبيرا ويهجر طفولته التي يحاصرها الاحتلال؛ ارتبكت قليلا بسبب خوفها عليه إن أغمضت عينها عن قراره وقبلت بقراره، أو بسبب خوفها عليه وعلى أختيه إن تركتهم بالخيمة وخرجت لتتدبر قوت يومهم؛ تصارعت العواطف بداخلها وأشاحت بوجهها عنهم حتى لا تبدي قلقها، وطغت أمومتها على المشهد وهي تستعيد عذابات النزوح ومخاطر القصف، وقد نزحوا للمرة الرابعة ودمر بيتهم وأحرقت خيمتهم الأولى. وافقت على مضض بشرط أن يفعل ذلك فقط فيما بقي من أيام الصيف؛ وزادت على شرطها أن أخذت منه عهدا أن يضل مع أختيه حين ترى ضرورة خروجها لتأمين حاجاتهم.
ضمته ضمة تؤكد أن ولدها ليس إلا طفلا حُرِم طفولته؛ وضم هو أختيه معا بعد أن أشرع ذراعيه أمامهما، وانطلق يمشي مع الماشين نحو مركز توزيع المساعدات؛ لا شيء حواليه يوحي بأن المكان كانت به بيوت جميلة، وأشجار، وطريق معبدة؛ ليس هناك سوى الركام والغبار وبعض الدواب التي تجر عربات تحمل الشهداء والجرحى. سأل أحد الماشين:
- "عمو قديش الوقت حتى نصل لرفح؟"
التفت اليه الرجل، فرآه حافي القدمين، مكسور الخاطر، لكن في عينيه شرارة التحدي، وعوض أن يجيب على سؤاله بادره قائلا:
- "بدك تروح ع رفح؟"
أومأ الطفل برأسه: نعم؛ وصمت الرجل هنيهة وهما يمشيان، كلاهما يتجرعان من نفس الكأس ولربما الفارق الوحيد بينهما هو الفارق في العمر؛ وهو فارق مهم على كل حال، فالطفل يستقبل الحياة ليتعلم منها والرجل يستدبرها وقد خبر فيها أمورا كثيرة. وشعر بأن وراء الولد عذابات قاسية وتضحيات كبيرة، وتوجه اليه بالسؤال مرة أخرى:
- "عمو وين أبوك؟"
- "استشهد"، هكذا أجاب بسرعة واقتضاب.
- "الله يرحمو"، رد الرجل فور سماعه تلك العبارة التي باتت على لسان كل من يُسأل عن أفراد عائلته.
وصمت مرة أخرى وقرر ألا يفتش أكثر عن أوجاع لا يدري أيتحملها أم لا وهو المفجوع الذي فجعه الاحتلال في أحبائه مرات عديدة؛ وعزم أن يصطحب الولد معه إلى رفح، وجهتهما معا، وفي تلك الاثناء تذكر أنه يتعين عليه أن يجيب الطفل عن سؤاله فاقترب منه ومسح رأسه وقال:
- بدك تعرف قديش المسافة من هون لرفح
- أيوا، أجاب الولد متطلعا إلى معرفة الجواب:
- بين 12 و13 كليو، يعني هَالقيت بدنا 3 ساعات ونص إلى 4 ساعات واحنا نمشي. تِقْدَر على المشي؟
- أيوا بَقْدَر
- ولو بدون شباشب؟
- آه، أنا معود أمشي هيك، سار لي كم شهر بدون شباشب.
- ماشي، شو رأيك نروح مع بعض أحسن.
- ماشي
كانت الحشود تسير كأنها تحشد ليوم العرض الأكبر على مولاها، آلاف النازحين ينتقلون بين خطر وآخر، البيوت والمدارس والمستشفيات والجوامع والكنائس والخيام كلها أهداف عسكرية في عين الاحتلال فمن دخلها لا أمان له، أما أماكن توزيع المساعدات فهي المصائد بعينها؛ كان الجميع يعلم بأن المساعدات التي تحوز صفة الإنسانية حقيقة هي المساعدات المكدسة خلف المعبر، في ضيافة المصريين، تنتظر قرار سيادة الرئيس بفتح المعبر الذي طال إغلاقه حتى غدا باب سجن وحصار، أما المساعدات الأمريكية والإسرائيلية فهي محض إعانات سياسية تلتهمها أفواه الكاميرات وصانعي البروباغاندا، وما يبقونه منها بعد ذلك يتحول إلى فخاخ معدة للقتل المباشر.
مشهد الحشود وحده يلهب الأرض فكيف بالشمس فوق الرؤوس تصب قطعا من اللهب فتزداد اشتعالا حين تجف الحلوق وتيبس الشفاه، وتكوى الأقدام من حر الرمضاء، وتغرغر البطون وتتعب الأبدان؟
وبين الفينة والأخرى كان الرجل يرمق الولد بطرف عينيه فيقع نظره على صلابة منقطعة النظير، طفل صغير يضرب في الأرض رابط الجأش صابرا يحمل معه هم أسرة، وربما هم مجتمع بأكمله؛ وسوست له قريحته وتساءل: كيف للطفولة أن تتحمل هذه القساوة أمام عالم يدعي أنه وصل لأرقى النظم والقوانيين، في العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق والحريات؟ كيف للطفولة أن تتحمل هذه القساوة أمام أمة في عنقها واجب النصرة وهي عاجزة؟ تردد صدى الاستفهام داخل جمجمته وأسفر وجهه عن ابتسامة ساخرة تخفي قدرا كبيرا من المرارة وتمتم: إيه يابو قيس، لَوْ مُو فِدا فلسطين ما حدا يتحمل ها الوجع، الحمد لله رب العالمين.
وشعر بعاطفة الأبوة تجتاح قلبه ومد يده نحو الطفل الذي لم يتردد في الإمساك بها وبدت الصورة أكبر من رجل يمسك بيد طفل؛ إنها صورة من زمن الخذلان، وبتوقيع جيل تفرج على الإبادة بملء بصره، صورة تقول كل شيء عن شعب يواسي فيه الشهيد شهيدا، ويضمد فيه الجريح جرح جريح آخر، ويعالج المصدوم ندوب مصدوم غيره، ويبحث فيه الجائع عن فتات لجائع آخر. إنها الصورة التي تشرح بوضوح بأن مفهوم الأمة الواحدة انتفى مع هذه الحرب، ولولا بقية من الشعوب تؤمن به وتسعى جهدها للتذكير به لصار جزءا من التاريخ نذكره بحسرة.
وفجأة سمع الحشد، الذي كان يضم الرجل الستيني، أبو قيس والطفل الذي يرافقه، دوي انفجار رهيب والتفت الجميع نحو مكان الانفجار، كان بعيدا نسبيا لكن ألسنة اللهب والدخان والغبار وقطع سوداء وربما الأشلاء أيضا كانت قد ارتفعت في الهواء وبدت عائمة كأنها كتلة متجانسة، وساد بينهم صمت رهيب للحظة قبل يشتد اللغط ويهرع الكثير منهم عادين غير آبهين بفرصة قد يفوتونها للحصول على طعام ولا آبهين بالكلومترات التي قطعوها مشيا، إذ لا قدرة للمرء على الاستمرار في اتجاه معين وهواجس فقد فلذات الأكباد والأمهات والآباء والأحبة تطاردهم من اتجاه آخر.
تشتت ذهن أبي قيس وراح يفكر في الأحبة الذين استشهدوا من الحفيد الرضيع صلاح الى رفيقة دربه أم قيس لم يبق أحد على قيد الحياة سوى هو وابنه حمزة الذي غادر غزة قبل الحرب ليتابع دراسته في دولة عربية. وبينما هو غارق في بحر الاشجان ومرارة الفقد، انتشله الطفل بسؤال جارف:
- عمو ليش بيحاصرونا ويجوعونا؟
- تقصد اليهود؟
- لا أنا عارف اليهود بدْهُم يقتلونا ويجوعونا ويهجرونا من شان يسيطروا على أرضنا.
- من تقصد؟
- العرب والمسلمين، مش إحنا إخوتهم، ومش هما لي لا زم يدونا مساعدات في هاي الحرب؟
- آه يابني لو عمك بيعرف ليش يعملوا فينا هيك كان ارتاح.
- الناس بيقولوا أن الختايرة بيفهموا ويعرفوا ليش.
- هون ياولدي ما حدا بيعرف غير إيشي واحد وهو أن فلسطين ما بيوقف معها غير الاحرار وين ما كانوا.
وظلا يمشيان ويتحدثان بين الفينة والأخرى حتى لا يشعرا بطول الطريق ووعورتها، فالاحتلال لم يترك شيئا مستويا إلا جرفه ولا شيئا قائما إلا هدمه. وما إن اقتربا من وجهتهما حتى لمح أبو قيس عربة تحمل شهداء وأخرى تحمل جرحى، وعلم أن قصفا بالمدفعية استهدف التجمع الكبير للجوعى أمام مركز المساعدات. أراد أن ينبه الطفل إلى الخطر الموجود هناك وتذكر أنه لم يسأل عن اسمه حتى الآن:
- ابني، والله ما بعرف كيف ما سألتك عن اسمك.
- اسمي أمير
- أمير، اسم فخم، ما شاء الله، قال مقهقها، وأضاف: هالقيت لوكان ها العالم يعقل، ما يتركش أمير غزة يواجه التجويع ويحارب لوحدو.
وهناك ظهر أمام أبي قيس ذلك التل الرملي الذي اعتلاه مرارا ليراقب الوضع من بعيد حول محيط مركز المساعدات، وأشار بيده إلى أمير ليتبعه ويصعدا الى التل قبل أن يستأنفا طريقهما، وبدا أمير مهتما جدا بذلك وهرول حتى يسبق أبي قيس إلى القمة؛ وعند آخر خطوة في الأعلى، مسح ببصره المنطقة كاملة كانه يخشى أن يركز على جهة ما فتضيع الصورة الكاملة؛ وبدأ يشير بيده ويسأل أبي قيس عن الأماكن واتجاه المعبر المغلق وأماكن جنود الاحتلال قبل أن يجلس وينصت إليه وهو يقدم له النصائح ويعلمه كيف يتصرف إذا حدث قصف مفاجئ أو ازدحام كبير خوفا من أن يُصاب او تَدوسه الأقدام. لكن العجيب هو اتفاقهما الضمني على أن الإحساس بالجوع يلغي حساب المخاطرة من أجل لقيمات وقد مرا في طريقهما بمنطقة خطيرة جدا.
لم يطيلا القعود عل ظهر التل وعادا الى السير رغم الحاجة الملحة للراحة والماء والطعام؛ ازداد ضغط الزحام، وتدفق الناس كالأمواج من كل الاتجاهات، تدفعهم حاجاتهم ورغباتهم وانتظارات أهاليهم وهي حاجات ورغبات وانتظارات لا يحصيها سوى ربهم المطلع على أحوالهم.
وبينما كان أمير يمشي حافي القدمين، كان أبو قيس ينتعل حذاء أسودا قد صار لكل فردة منه فما كبيرا كأنه يحاكي أفواه الجائعين؛ ومن يبالي هنا بحذاء إن تمزق أو تقطع؟ فكل الناس همهم الحصول على كيس طحين أو أرز أو بعض المعلبات، أو فضلة من أي شيء يؤكل، وهنا بين الناس من اضطرته المجاعة إلى أكل الأعشاب وعلف الدواجن.
وأخيرا بدا سياج المركز الذي يقصدانه؛ وبحركة عفوية استدارا معا كأنهما استشعرا طول المسافة التي قطعاها حتى وصلا إلى ذلك الموضع من رفح؛ وكان قد مشيا نحو ثلاثة عشر كيلومترات؛ لكن الذي لا يريد أبا قيس أن يفكر فيه هو أن يرجعا خاويا الوفاض، وقد يقبل ذلك لنفسه لكن أمير يجب أن يحصل على شيء، أي شيء، ولذلك قرر أن يستجدي الضابط الأمريكي، ويشرح له معاناة هذا الولد، فربما يستطيع أن يقنعه بتسليمه بعض ما يستطيع حمله، وكم سيحمل طفل في العاشرة؟ لو حمل ربع وزنه لما تحمل عبئه أمام طول الطريق ومشقته.
جال أمير بنظره حول المكان، أسلاك شائكة تحيط بمنطقة مكشوفة والجنود حول المكان مدججين بالسلاح، وفوق الأسطح القريبة يقبع القناصة الصهاينة يعرفهم من هيأتهم، إذ لا شيء يرى منهم وحتى أعينهم يغطونها بنظارات واقية، مثقلون بالعدة والعتاد، وعين الزنانة تجول ولا ترمش فوقهم، وخلف الكثبان على مرأى البصر تبدو المدرعات متأهبة وفوهات مدافعها ورشاشاتها مصوبة نحو الحشود؛ لا حركة للجنود بجانبها، لا شك أنهم يقبعون بداخلها، إنهم يخشون الفلسطيني حتى وهو أعزل خائر القوى جراء استخدام التجويع سلاحا لتركيعه وتهجيره؛ ربما يتذكر هؤلاء قول درويش مخاطبا المحتلين:
أنا لا أكره الناس
ولا أسطو على أحد
ولكني، إذا ما جعت
آكل لحم مغتصبي
حذار، حذار من جوعي
ومن غضبي!
تقدما نحو البوابة العريضة بصعوبة، كان في الواجهة جنود أمريكيون، من طريقة توزيعهم للمساعدات يظهر أنهم هناك يقدمون خدمات للصهاينة، تحدث أبو قيس مع الضابط السمين الذي يتوسط مجموعته، لكنه لم يعره أي اهتمام، كل تركيزه مع الأعداد المتزايدة للنازحين، كان يريد التحدث اليه بشان الولد، أمير، لعله يعفيه من السباق الذي لن يظفر فيه بشيء، لكن الضابط الأمريكي لا يهمه إن كان بين طالبي المساعدات طفل أو شيخ، فهو مغرم بمقولة "البقاء للأقوى" ويطبقها هنا بقليل من التحريف، أي "البقاء للأسرع".
كانت خططهم تختلف من وقت لآخر، لكن الشائع بينها هو أن توضع الحصص الغذائية، وهي بضع مئات من الطرود على الأرض، وخارج الأسلاك آلاف الجائعين ينتظرون لحظة الوصول اليها؛ ولو أردت أن تقسمها عليهم بأية طريقة فلن يجد أكثرهم ما يحمل في قبضة كف. كان واضحا بأنهم لا يريدون مشهدا إنسانيا يعلي من قيم الحق والكرامة والتضامن، وإنما يريدون فرجة على شاكلة ألعاب المصارعة الحرة؛ يمنحون الناس وقتا محددا للدخول والخروج لا يزيد عن خمسة عشر دقيقة تبدأ من سماع الإشارة، فالطرد الواحد لمن يصل اليه أولا. ومن تأخر عن الوقت المحدد يعرض نفسه للخطر.
كان أبو قيس فارع الطول وخطواته تسعفه في المنافسة المشؤومة لكن تقدمه في العمر كان يجبره على الاقتناع بأنه لم يعد بإمكانه مجاراة الشباب في الجري؛ ماذا سيفعل والخطة هدفها الإذلال لا المساعدة؟ أطرق يفكر، وكان وضع أمير يشغله أكثر مما تشغله حاجته، وانحنى بمقدار ما يعادل قامة الطفل وشرع يشرح له ما سيحدث وماذا عليه أن يفعل، ونبهه إلى مسألتين مهمتين؛ الأولى أن يحذر من أن تدوسه أقدام الجائعين المتسابقين، والثانية أن يتعقب حاملي الطرود إذا لم يصل لواحد منها بنفسه إذ غالبا ما تسقط بعض المعلبات من الناس بسبب الاحتكاك والزحام وعليه أن يلتقطها فورا.
وبدأ الحشد يكبر ويكبر ولا إشارة للدخول؛ كثر الهرج والمرج والعيون محدقة نحو الطرود التي تغازلها، كان المنظر حاط بالكرامة وموغل في الإذلال من وجهة نظر أبي قيس، لكنها الحرب وبشاعة الاحتلال؛ لقد عاش عمرا في صراع ضد إرادة الاحتلال التي تروم إذلال الانسان الفلسطيني وطرده بكل السبل، بالقتل والتجويع والتشريد والاعتقال والتعذيب ومصادرة الأرض والممتلكات، ولم يفت ذلك في عضده، وتولدت لديه حساسية مفرطة تجاه موضوع الكرامة، فهو يرفض أن يهان ولا يرضى أن يظهر الفلسطيني انكساره أمام المحتل.
وفي تلك الاثناء دوت طلقات نارية في الهواء وفوق الرؤوس وأطلقت المُسَيرات قنابل مسيلة للدموع وماج الناس بعضهم في بعض حتى ابتعد الكثير منهم عن المكان، وبقي أبو قيس وأمير في مكانهما منبطحين على الأرض إذ لم يجدا مكانا للحركة.. استمر إطلاق النار لدقائق وتوقف في جو من الحذر من حدوث مجزرة مروعة؛
ربما فعلوا ذلك خشية أن يفلت الزمام أمام قوافل الجوعى، وربما كان ذلك جزءا من خطة الإذلال كما يرى أبو قيس؛ وعلى كل حال، في الوقت الذي تفرق الناس زمرا هنا وهناك أعطيت الإشارة للسباق العشوائي نحو الطرود المبعثرة هنا وهناك داخل فضاء مكشوف ومسيج بالأسلاك الشائكة؛ وانطلق الجوعى كأنهم سكارى ترتطم أكتاف بعضهم ببعض وتتقاطع أرجلهم وتزيغ أقدام بعضهم عن موضعها فيسقطون ثم ينهضون؛ إذا رأيتهم حسبتهم يفرون من جهنم لا مقبلين على طرود طعام؛ فوضى عارمة في المكان وصياح؛ ولا حظَّ لمن أبطأ أو خانته صحته أو عمره. لكن لا أحد يستطيع أن يلوم المُجوعين.
الحق مع أبي قيس في ما قال، فهو ينتمي إلى جيل الأونروا التي أسستها جمعية الأمم المتحدة عام 1949، إذ قيل للاجئين وقتها بأن الأونروا حل مؤقت لمحنة اللاجئين الفلسطينيين الذين هجرهم الاحتلال الصهيوني وصادر أراضيهم وممتلكاتهم، على أمل أن تجد حلا نهائيا فيما بعد؛ اليوم هو شاهد على خدعة الحل المؤقت وشاهد أيضا على استمرار الخدعة بتدمير مؤسسات وكالة الأونروا ومنع التمويل عنها بضوء أخضر من أمريكا، وإحلال مؤسسة أمريكية صهيونية بدلها تدعى مؤسسة غزة الإنسانية، فكيف يستقيم في تفكيره أن المؤسسة الحالية جيء بها لأهداف إنسانية؟
انطلق أمير مسرعا متسللا بين الحشود المندفعة كسيل العرم، كان وجوده في المقدمة حافزا قويا لكسب الرهان؛ تخطى البوابة وانعطف يمينا حتى يتجنب قلب الحشد ويجري في طرفه؛ هكذا كانت وصية أبي قيس الذي ظل في مكانه؛ كان ذلك اتفاقا بينهما؛ وبالرغم من الحرارة المفرطة، استمات في طلب طرد من الطرود، لا يهم كيف يحمله، ربما يستطيع جره حتى يصل به إلى أبي قيس، لكن المهم هو أن يكون من بين الواصلين الأوائل؛ زاد من سرعته إلى أقصى ما يستطيع، لم يكن الطرد بعيدا، وسرعان ما اقترب منه وغشيته فرحة عارمة وتذكر أختيه ووالدته، إنهن في انتظاره، سيسعدهن بدون شك وسيبرهن لأمه أنه جدير بأن يقوم مقام والده في أسرته، بل إن والده سيشعر بالرضى في قبره لأنه ترك وراءه رجلا يشبه أباه.
وبعيدا عن حلبة السباق من أجل البقاء، كانت السيدة ميلاء، أم أمير تذرع المكان وتخرج إلى منطقة مفتوحة بظهر الخيام وتراقب لفترة وتعود، وأحيانا تسأل عن طفلها مُعَرِّفة بمظهره: لون لباسه وقامته وشكل شعره ووجهه؛ تأخر الولد ولا أحد ممن سألتهم طمأنها بشيء؛ لم يتحدث معها عن رفح وظنته سيقصد مركز توزيع قريب نسبيا من الخيام لأنه سبق أن صاحب والده إليه؛ أما أمير فقد سأل عن هذا المركز وقيل له بأنه لم يوزع أي شيء منذ أسبوع، وفور سماع ذلك قرر الذهاب إلى رفح دون علم أمه. وها هو في رفح وأمه يأكلها الخوف عليه كلما تأخر أكثر. ها هو يتذكرها ويمني نفسه بإسعادها وإسعاد أختيه، يكفيه تحقيق هذا الحلم ليحلق فوق غيوم الحرب والتجويع.
زادته تلك اللحظات حماسة ونشاطا وارتفع عنده احتمال الظفر بالطرد إلى درجة قريبة من اليقين، وفي رمشة عين باغتته يدان كبيرتان امتدتا إلى الطرد ولوحت به في الهواء ليستقر على كتف شاب هزيل البنية يصيح: "والله معي ثمانية نفوس جوعانين ناطْرِنِّي بالبيت، والله العظيم ما أكلوا من يومين".
كان أمير قد تهيأ لهذا الاحتمال، لم يجزع ولم يتراجع؛ بقيت أمامه فرصة الاشتباك مع الحشود لعل شيئا يسقط من طرد أحدهم، تلك هي الخطوة الثانية حسب الخطة التي رسماها هو وأبي قيس، فالأوعية التي لُفّت بها حصص الطعام قابلة للتمزق بسهولة بسبب الاحتكاك والتدافع بين الناس؛ ومع بداية الاشتباك لمحه رجل من هيأته يبدو حييا كريما، اقترب منه وتفرس فيه فرَقَّ له قلبه وأهداه علبتين، بازلاء وتونة؛ تهللت أساريره وشكر الرجل، ما كان ينتظر ذلك من أحد، استبعد أن يتقاسم المجوع طعامه مع غيره، لكن تصرف الرجل غير نظرته، هناك نفوس عظيمة تجود بالخير في سائر أحوالها.
وبادر من فوره إلى اتمام مهمته لعل حدس أبي قيس يكون في محله. لم تكن حركة الحشود سريعة كما كانت عند الدخول، بسبب تعاكس وتضارب حركة الخارجين من المركز والداخلين اليه. الغريب أن الداخل يعلم بأن الطرود نفذت لِقِلَّتها لكن الجوع يدفع الناس لتصديق الأوهام؛ أما أولئك الذين وصلوا إلى المكان ولم يحالفهم الحظ في الحصول على طرد كانت مشيتهم أبطأ من غيرهم، بل كانت انعكاسا صريحا لخيبة الأمل التي تطاردهم مرات ومرات قبل أن يحصلوا على فتاة ؛ واستغل أمير بطء الحركة وأدرك بذكائه واستنتاجه بأن خطر المشي وسط الناس لم يعد قائما، واندس بينهم وهو يراقب الأكياس، تمنى أن تتدخل يد خفية فتمزق كيسا أو عدة أكياس، لكنه انتبه إلى أن ما خطر بباله لا يليق، تذكر والدته وهي تعظه في موقف سابق وهي غاضبة منه وقالت بأن الأصيل الشهم لا يتطلع الى ما عند الناس.
غير أن القدر كان يجاريه في متمنياته، وفي اللحظة التي كان يحاول أن ينفذ إلى متسع يجد فيه هواء نقيا يبدد رائحة العرق أو ربما رائحة الجوع، تناثرت أمامه ثلاث علب شهد على اثنتان تتسربان من كيس، ولم يدر من أي كيس تسربت الثالثة؛ رمقه صاحب الكيس يلتقط العلبتين، وهم أن يأمره بإعادتهما اليه، لكن أمير صاح بالرجل: "عمو عمو، هدول سقطوا من الكيس بتعتك"؛ كان تصرفه مفاجئا للرجل وجعله يُكْبِر ذلك فيه ويرق لحاله، وسأله: من وين إِنْتَ؟ أجاب : من القرارة؛ عندئذ قال الرجل: "خذهم، وَدِّيهم لَوالْدِتَك"، وزاده علبة ثالثة حين رآى أن العلبة التي كانت الأرض أخذها غيره.
حمل أمير خمس علب في طرف قميصه؛ وأخذ يفكر، هل يعرفه الرجل؟ وأقبل على أبي قيس مبتسما يحكي له قصة العلب الخمسة، وسأله لم قال له الرجل الاخير: خذ العلبتين لوالدتك وهو لا يعرفه؟. ابتسم أبو قيس وأظهر فرحه لفرح أمير وخاطبه قائلا:
- لو كان أبوك رحمه الله ضل عايش مين كان راح يجي ع رفح؟
- أبوي
- هالقيت الرَّجَّال لمّا شاف وَلَد، إِنت يعني، عَرِفْ إنو ما إيلو أب. فهمت علي.
- أيو فهمت عليك، شو رأيك عمو تأخذ علبتين؟
- لا، هدول إنت حاربت من شانوم
- ولا يهمك عمو، بكرة آخذ علب تانيين.
- أنت ولد طيب بس أنا بعرف كيف أدبر حالي، ماشي عمو؟
- أيوا ماشي، شكرا إلك. وقفت معايا.
كان أبو قيس قد فكر في عودة أمير إلى والدته، وظهر له أن يرسله رفقة عائدين إلى منطقته حتى يطمئن على سلامته من خطر القصف أو الاعتقال في إحدى نقاط التفتيش، بينما سيجرب حظه مع مركز آخر لتوزيع المساعدات بتل السلطان؛
ومشيا بضعة أمتار أخيرة معا وافترقا، ووقف أبو قيس يلوح بيده لأمير ويوصي به خيرا جماعة من أبناء حيه، بينما كان أمير يلتفت وهو يلحق بالجماعة؛ وأُخِذ أبو قيس بغرابة اللقاء بأمير وصحبته وغرابة وداعه أيضا؛ كان يشعر به كأنه حفيده إبراهيم الذي استشهد قبل شهر؛ كان في مثل عمره وهيأته؛ وعلى كل حال فقد أدى واجبا تجاه زهرة من زهور شعبه؛ وتمنى أن يكون قد وفى بالقليل مما يجب على الأمة من المحيط إلى الخليج أن تفي به، ليس كرامة منها وإنما واجبا عليها وحقا لأهل غزة وفلسطين في ذمتها.
ولما تأكد أبو قيس من التحام أمير بالركب الذي سيسير معه، قصد تل السلطان وهو يفكر في ما بقي من يومه؛ مشى بضع خطوات والتفت إلى الركب كأنه يريد أن يطمئن بأن الركب انطلق؛ وما إن أدار وجهه حتى لعلع الرصاص في المكان، ما الذي يجري؟ ما هذا الجنون؟ جنود الاحتلال يطلقون النار مباشرة على الناس كأنهم يتدربون على القنص في غابة من غابات افريقيا. انبطح أبو قيس والصراخ يعلو هنا وهناك والناس بين منبطح وهارب ومخضب بالدماء؛ حدث ذلك فجأة وبسرعة وفي أقل من عشرين ثانية قبل أن يسود الهدوء من جديد؛ تمهل الناس حتى يتأكدوا من أن إطلاق النار قد توقف، وهرولوا إلى المكان؛ وكذلك فعل أبو قيس وقلبه لا يقول خيرا بشأن أمير؛ فعندما يتحول مكان المساعدات إلى مصيدة يكون قتل الطريدة هدفا. الحصيلة في أقل من عشرين ثانية خمسة شهداء، ثلاثة أطفال وشاب ومسن، وأزيد من عشرين جريحا جروحهم متفاوتة الخطورة. هل استشهد أمير؟ يدعو أبو قيس وأنفاسه تضطرب في صدره: اللهم سلم! يارب أبعد عني ظن السوء. لكن قلب العجوز صادق الفراسة، وغالبا ما يصيب، والعدو لا يقتل لأنه يشعر بالخطر ولكنه يقتل لأنه ألف القتل وأمن العقوبة وصار الاجرام طبعا متأصلا في أجياله، ولذلك يقتل دون تمييز، لا فرق عنده بين طفل وبالغ ورجل وامرأة وشاب وكهل، ومسلح وأعزل، وصحيح وسقيم. وصل أبو قيس إلى مكان ارتقاء الشهداء، ولسانه ما يزال يلهج بالدعاء : اللهم سلم! اللهم سلم! وألقى نظرة على أول شهيد فإذا هو أمير، نعم أمير الذي كان قبل قليل فرحا بما تحمله يداه، هو الآن مغمس في جدول دمه المهدور غدرا ومع سبق إصرار وترصد. وضع كفيه على رأسه وهو يصيح: حسبنا الله فيكو يامجرمين! حسبنا الله في هذا العالم الظالم! حسبنا الله في كل متخاذل! لم يتمالك دموعه فانهمرت على قميص أمير الذي تغير لونه إلى أحمر قانئ، وارتمى عليه واحتضنه كما لو أنه من صلبه، حاول بخبرته في الحياة أن يستوعب الصدمة، لكنه أخذ وقتا حتى يتمكن من ذلك؛ وقرر أن يتخلى عن مشواره و يعود بأمير ومعه إلى أمه ويحكي لها عن طيبته وشجاعته وقصة صحبته له.
وبينما رجلاه يتأرجحان من فوق طرف العربة التي تقل الشهداء إلى نقطة مرور سيارة الإسعاف، انتفض وجدانه وعقله وتفجرت على لسانه همسات يخاطب بها جثمان الصغير بجانبه:
لماذا قتلوك؟
هل كنت تهدد دولتهم؟
هل كنت ستقتلع وجودهم؟
أم أنك ذلك المقاوم الثائر المحتمل؟
هل يظنون أنهم بقتلك انتصروا؟
هيهات!! كم قلنا لهم: "إنكم لن تبلغوا الجبال طولا"، و كم قلنا لهم : " إن إجرامكم لن يفنينا" وكم رددنا على مسامعهم: لا وطن لكم هنا، على أرضنا؛ لكن القتلة لا يدركون بأن الأرض التي يكثر شهداؤها تنبت المقاومين كما تنبت الكلأ.
