فينومينولوجيا الحضور
الأماكن ليست مجرد إحداثيات صامتة على خريطة الواقع بل هي كائنات حية تضج بالترددات والذبذبات الروحية
تواجدك في المكان الخطأ كأنك ترتدي ثوباً ضيقاً لا يترك لقفصك الصدري مساحةً للتنفس
حتى لو قدمت أفضل ما عندك فلن يكون ذلك كافيًا لأنك تخطو خطواتك في اللا-مكان !
تتحول الأفعال العظيمة فيه إلى أرقام صِفْرية لأن الميزان الذي يُقاس به الإنجاز معتل أساساً فالمعيار الجاحد لا يرى النور بل يفتش عن العتمة ليبرر بقاءه
أما تواجدك في المكان الصحيح فلا تحتاج كلماتك إلى ترجمة ولا أفعالك إلى مبررات بل يكفي أن تومض بالفكرة فيلتقطها الأثير المحيط بك لتصبح فعلاً مبيناً
إن أكبر مقبرة للمواهب هي خوف العبور فالإنسان بحكم جبلته يميل إلى الألفة حتى وإن كانت مؤذية ويخشى المجهول حتى وإن كان محفوفاً بالخلاص!
وإن البقاء الطويل في بقعة خاطئة يخلق نوستالجيا زائفة فيظن المرء أن طول العِشرة مع الجحود ستتغير بمرور الوقت لكن الحقيقة المرّة تؤكد أن الحجر الأصم لا يلين مهما استطال عليه الأمد
ليصبح الرحيل حاجة وضرورة ملحة لحفظ الكرامة الإنسانية
هذا الرحيل الواعي ليس هروباً ولا عجزاً بل هو إعلان سيادة على المصير و في اللحظة التي تخلع فيها رداء الاستجداء ويمتشق حريته يعلن فيها بكل ثقة ووضوح أن طاقته أثمن من أن تُنثر رماداً على عتبات لا تقدر النور
من يدرك هذه الحقيقة يتوقف عن حرث الرمال ويمضي بخطى ثابتة نحو تربته التي تنتظره بصمت ليجد أن كل خطوة نحو مكانه الحق تقربه من تجلياته الكبرى وحيث يكون حضوره عيداً ووجوده آية في الاكتمال
#آدم
31 مشاهدة