رِجال عَرب نَساهُم التاريخ
رِجالٌ من العربِ الأوائلِ، طواهم النسيانُ، وغمرتهم غياهبُ التاريخ، فمضت عليهم حِقَبٌ طويلةٌ لم تُبقِ من أخبارهم إلا شذراتٍ متناثرةً، ولم يُخلِّد التاريخُ ذِكرَهم إلا في أذهانِ قلّةٍ من أهل الأدب، ممّن شغفوا بجوامعِ الشعرِ والنثر، ونقّبوا في دفاترِ الماضي عن رجالٍ كاد الزمانُ أن يُسقطهم من ذاكرته.
الأوّل: أبو رِغال
رجلٌ يُدعى أبا رِغال، ذاع صيتُه، وجرى اسمُه على ألسنةِ الناس، من عامِ الفيلِ إلى أواسطِ الدولةِ الأموية، وبقي ذِكرُه يتردّد في المجالسِ جيلاً بعد جيل؛ لا لمكرمةٍ أتى بها، ولا لفضيلةٍ عُرف بها، وإنما لفعلٍ شنيعٍ التصق باسمه، حتى صار مضربًا للمثل في الخيانةِ والغدر.
كان أبو رِغال، فيما ترويه الأخبار، ذلك الرجلَ الذي دلَّ جيشَ أبرهةَ الحبشيِّ على الطريقِ إلى مكّة، وأعانَه على بلوغِ البيتِ الحرام، فكان جزاؤه أن بقي اسمه مقترنًا بذلك العار، حتى إن الناس لم يكتفوا بذكره بالسوء، بل جعلوا قبرَه نفسه موضعًا للرجم، يرجمونه بعد موته كما رُجم فعله في ذاكرة العرب.
وظلَّ قبرُ أبي رِغالٍ شاهدًا على أن بعضَ الرجال قد يطول بهم العمرُ، ثم لا يبقى منهم بعد رحيلهم إلا فعلٌ واحدٌ يطغى على سائر أخبارهم، فيحفظه التاريخُ لا إعجابًا بصاحبه، بل عبرةً منه.
وقد استحضرَ الشاعرُ جريرُ بنُ عطية هذا الموروثَ في هجائه للفرزدق، فقال:
إِذَا مَاتَ الفَرَزْدَقُ فَارْجُمُوهُ
كَمَا تَرْجُمُونَ قَبْرَ أَبِي رِغَالِ
7 مشاهدة