كل مساء كانت أمي تضع قدرا كبيرا من الماء وبعض الأحجار الملساء، ترص حوله الحطب ،ثم توقد النار ،وتشرع بسرد الحكايا بدءا من الحجر الذي تحول الى طعام لذيذ أشبه بالعسل لا بل ألذ...كل حكاياها كانت تتحدث عن الجوع والشبع فوصفها للجائع كان أشد وطأة من الجوع نفسه ، إذ لا عتاب عليها إن أسهبت في وصف الشبعان وأغدقته بالفرح والمرح أكثر وأكثر ...
قالت يوما في إحدى حكاياها أن امرأة ماتت وتركت لطفلها إرثا لا يفنى ، لم يكن إرثا عاديا بل كانت عظاما، تقصد عظامها التي نبتت على قبرها كقطع الحلوى، لا يراها غير صغيرها الذي ظل يقتات عليها حتى كبر ...
ومن أكثر الحكايا جمالا تلك التي يقتل فيها بطل القرية غدرا دفاعا على زمرته التي كانت تقدم طعامها كل يوم لوحش بثلاث عيون إلا ان قطرات دمه التي تحولت إلى سهام نارية كانت كافية لإزهاق روحه ، وكنت انام قبل أن تنهي أمي الحكاية ربما كانت ستخبرني أن ذلك البطل أبي...
فكنا كلما صحونا أكثر جوعا تساءلنا عن الطعام اللذيذ كالعسل بل ألذ...قالت أن طعام الأمس تأكله الشياطين ...
ذات ليلة اقسمت ألا أنام لآكل وحدي شبيه العسل ذاك ... فعرفت حينها أن أمي لا تملك سوى الحطب وكثير من الحكايا ...
فدوى الشماشي

32 مشاهدة