من لطائف البلاغة القرآنية
من لطائف البيان القرآني
حين يتجلى الحرف ليرسم المشهد
**********
تأمل معي قول الله تعالى في سورة القصص عن موسى عليه السلام بعد أن سقى لفتيات مدين وترى إلى الظل:
(فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [القصص: 24].
لم يقل موسى عليه السلام: "إني فقير إلى الخير"، ولم يقل: "أريد طعاماً" أو "أعطني خيراً"، بل جاء التعبير بـ (لمَّا أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقير)، وهي آية تتجلى فيها دقة التصوير البلاغي على عدة مستويات:
التعليق بالغاية لا بالطلب المباشر: عبر بالحرف (إلى) المشعر بالانتهاء والغاية، كأن الخير أمرٌ نازلٌ من سموات الجود الإلهي، وهو عليه السلام يقف متطلعاً إليه، فكأن فقره ليس طلباً للمادة المجردة، بل هو افتقارٌ واحتياجٌ لنفحات العطايا الربانية النازلة.
التنكير المفيد للعموم: جاءت كلمة (خيرٍ) نكرة في سطوة الاحتياج لتشمل كل لونٍ من ألوان الخير؛ من طعامٍ يسد الرمق، إلى مأوى يأوي إليه، إلى سَكينة قلبٍ بعد خوف وترحال.
الأدب الجم في الدعاء: لقد ترك أمر تحديد الحاجة لعلمه سبحانه، واكتفى بإعلان العجز والافتقار المطلق؛ وهو أعلى درجات التذلل بين يدي الخجل من الله، وكأن لسان حاله يقول: يا رب، ما تنزل عليَّ من خيرٍ أنا به فقير، عالماً بحالي غنياً عن مسألتي.
تأملات تتكسر عندها لغة الكلام، لتدرك كيف يختار القرآن أكثف الألفاظ دلالةً وأعمقها شعوراً في أضيق المساحات اللفظية.
فما أعظم بيانه، وما ألطف خطابه!
#لطائف_قرآنية #بلاغة_القرآن
#د_محمد_زكريا_الحمد #أدب
31