جَاهِدْ نَفْسَكَ
أيُّهَا العَبْدُ : حَاسِب نَفْسك في خَلْوتِكَ ، وتَفَكَّر في انْقِرَاضِ مُدَّتِكَ ، واعْمل في زَمَانِ فَرَاغِكَ لِوَقْتِ شِدَّتِكَ ، وَتَدَبَّرْ قَبْلَ الفِعْلِ مَا يُـمْلَى في صَحِيفَتِكَ ، وانْظُرْ : هَلْ نَفْسُكَ مَعَكَ أَوْ عَلَيْكَ في مُجَاهَدَتِكَ ، لَقَدْ سَعِدَ مَن حَاسَبَها ، وَفَازَ وَاللهِ مَن حَارَبَها ، وَقَامَ بِاسْتِيفَاءِ الحُقُوقِ مِنْهَا وَطَالَبِهَا ، وَكُلَّما وَنَتْ (١) عَاتَبَهَا ، وَكُلَّما تَوَاقَفَتْ جَذَبَهَا ، وَكُلَّما نَظَرَتْ في آمَالِ هَوَاهَا غَلَبَهَا .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ » (٢) .
وَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه : « حَاسِبُوا أَنْفُسَكُم قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَطَالِبُوهَا بِالصِّدْقِ في الأَعْمَالِ قَبْلَ أَنْ تُطَالَبُوا ، وَزِنُوا أَعْمَالَكُم قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا ، فَإِنَّه أَهْوَنُ عَلَيْكُم في الحِسَابِ غَداً ؛ وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ : ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ (٣) ، (٤) .
وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رحمه الله : « أَيْسَرُ النَّاسِ حِسَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُم للهِ عَزَّ وَجَلَّ في الدُّنْيَا فَوَقَفُوا عِنْدَ هُمُومِهِم وَأَعْمَالِهِم ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي للهِ هَمُّوا بِاللهِ وَإِنْ [ كَانَ (٥) ] عَلَيْهِم أَمْسَكُوا ، وَإِنَّمَا يَثْقُلُ الحِسَابُ عَلَى الَّذِينَ أَهْمَلُوا الأُمُورَ ، فَوَجَدُوا اللهَ قَدْ أَحْصَى عَلَيْهِم مَثَاقِيلَ الذَّرِّ فَقَالُوا : ﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ (٦) » .
كِتَاب: مَوَاعِظِ ابْنِ الجَوْزِيِّ (اليَاقُوتَة).
13 مشاهدة