
مقال 8 دقائق للقراءة
خائفا يترقب
فراق ممتد دون وصال وقطيعة لا أمل فى وصلها، خريفٌ لا أمل في انتهاءه، وظلام ليلٍ يكادُ لا ببلغه نهار. طال البعادُ وطال إغتراب الأفئدة حتى إكتوت بنارها، واستحال رجوع هدأتها إلى ما كانت عليه.
الخوف
الخوف أو الخشية أو المخافة هو الشعور الناجم عن المخاطر، والرهبة من التصورات والاحتمالات التي تترتب على ذلك الفعل. وقد لا يكون فعلًا، بل مجرد تخيل أو تصور لارتكاب خطيئة ما. هناك أنواع عديدة من الخوف، وأسباب عدة له تسبق حدوثه، مما يدفع صاحبه إلى تغيير نمط حياته هروبًا منه أو مواجهةً له، حتى تطمئن نفسه وتهدأ روحه.
هناك خوف محتمل، وخوف قد حدث، وخوف لا يحدث، وما بين كل هؤلاء روحي التي تصارع من أجل طريق الهدوء والطمأنينة. أبحث ليل نهار عن الصفاء والنقاء في أركان الكون الفسيح، وأفتش بين جدران الحياة عن طاقة نور وشعاع مضيء ينشر الدفء في ليل الشتاء القارص.
نحو الطمأنينة أبحث عن طوق للنجاة بين أمواج بحر هائج، تعصف بي عصفًا فتقذفني في ظلمات بعضها فوق بعض، حتى لم أكد من هول ما فيها أن أرى الضياء اللامع في سماء الكون العالية. ربما حجبته الغيوم عني، وربما أثّر ضباب الشتاء على بصيرتي. ولكني لن أتوقف أبدًا حتى أصل إلى بر الأمان، إلى شاطئ يمتلئ برغد الحياة، شاطئ على جزيرة ممتلئة بالأشجار المزهرة، يسكنها نسيم يشفى العليل جراء تنفسه، وأشعة الشمس الساطعة على أغصان الشجر تنشر ظلًا تبرد فيه حرارة القلب حتى الانتعاش، لتدب الحياة من جديد، ويصفو الذهن من ضوضاء أفكاره، وتنتظم دقات القلب ونبضاته، وتسمو الروح عالية حتى تصل السماء وتسبح بين النجوم.
يصاب الإنسان بالخوف مرات ومرات، ولكنه يتعافى منه سريعًا؛ ربما كان خوفًا غير منطقي، وربما وجدت له من الأسباب ما يبعده عن روحه وعقله. تصارع النفس والعقل والقلب أحداث الحياة منذ أن وطئ الإنسان الأرض، يكافح من أجل العيش، من أجل الحياة، من أجل الصمود، يقاوم كي يستمر، ولكنه يتعثر في بعض الأحيان، ثم يعود سريعًا نشيطًا كمن كان في عطلة للاستشفاء، أو ربما تضربه عثرة أخرى تبدد طاقته ليسقط مرة أخرى بين جنبات الحياة خائفًا مترقبا.
يعتبر الخوف أساسيًا في الحياة، ولكن أنواعه وأسبابه هي التي تجعله خوفًا محمودًا أو منبوذًا، أما بعض الأشخاص الذين يوهمون أنفسهم بأنهم لم يصادفو الخوف طوال حياتهم فهم مخطئون.
الخوف اللائق بي أن أخاف عقاب ربي تجاه ما أخطأت من ذنب، أو قصرت في عمل، أو تناسيت فعلًا ووجب عليّ فعله سابقًا. الآن فات الوقت للرجوع. أحدث نفسي معللًا أسبابي لأرضي النفس بما لا يرضي فؤادي. لا أجد طمأنينة تهنأ بها في ليلتي إذا كنت سويًا. حقًا، ما الذي أحتاج إليه لأكون سويًا مع نفسي وفؤادي وظاهري وباطني؟ ماذا أفعل لأصل إلى درجات الرضا؟
أحدث نفسي بعد كل نهار عما اقترفت من الأخطاء، أتجاهل فعلًا وأتناسى آخر، ثم أصارح نفسي من جديد مبينًا لها تبريرًا قد يقنعها، لكنها لن تطمئن حينها، أشرد بين أفكاري وأقلب أحداث يومي فلا أجد إلا الحيرة والقل، أنهض من فراشي في بطء ممتعضًا، فراشي ذاك الذي كنت أمني نفسي فيه السكينة، فأين ذهبت؟ وكأنه فُراش له اشواك، لا يكاد يطؤها جسدي العليل وروحي المترنحة، وكأني عائد من رحلتي الطويلة خالي الوفاض لم أظفر بما كنت أطلبه وأرنو إليه.
عجيب أمر عقلي! يعبث بي ليل نهار، يعيدني إلى الحيرة، ويغرس قدمي في وحل التشتت، وكأنني مثل بني إسرائيل حين قضي عليهم أن يتيهون في الأرض أربعين سنة. أو كولد آدم، قابيل، حين قتل أخاه وبعد أن رأى سوءة فعله ارتعب وانتُفض كي يواريها فلم يعرف، فأخذته الحيرة والخوف حتى بعث الله له غرابًا يعلمه كيف يدفن جسد أخيه الذي يذكِّره بفعلته وفساده في الأرض.
كل فعلة أفعلها تعارض فطرة الله التي فطر الناس عليها، تؤرق علي حياتي، تقلبني بين جنبيها. فالخوف والقلق كالذي يمشي على جمر متقد لا يكاد يضع قدميه حتى يرفعهما، وأنا لا أكاد أغمض عيني حتى أفتحهما، ولا أكاد أصل إلى مضجعي حتى أفزع.
تراودني المخاوف من العقاب ومن الذنب الذي فعلته. أتذكر قصصًا قد قصت علي من قبل لأنأى بنفسي عن مصيرهم، لكن هواي وضعفي قد أسقطاني في شبهاتها دون إدراك تام، وكأني منقوص العقل حينها، وكأن مشاعر القلب وطمأنينته قد سلبت مني، أفعل الذنب وأنا أتلذذ به وقت الفعل، وما إن أنتهي إلا ويرافقني الندم ليصبح رفيق يومي وليلتي.
فعل قد أمضى عليه الدهر أعوامًا، ولكن ذاكراتي تعيدني إلى أحداثه، تمغص علي عيشتي ويجفو بي مضجعي، لن أنام قرير العين، فأعود من الماضي خائفا أترقب. أمضي قدمًا إلى تلك الشرفة في بيتي، تتثاقل قدماي عن المسير أو الوقوف، أمسك بيدي مقعدًا خشبيًا ظل في مكانه منذ البارحة ومن قبل أول أمس، ثم أتهادى عليه في ثقل وكأني أحمل جبالًا ثقالًا على عاتقي، نعم هي الهموم هو الخوف و محاسبة النفس.
اجادل قلب وأحاوره: أنا سوي أيها الفؤاد، أما أفكار عقلي هذه،هي التي لم ترضَ بما أخفي من سخط.
أمسك بعود ثقاب وأشعل لفافة الدخان التي أعددتها، أعاود الكرة من جديد، أما كنت قد نويت ألا أفعل ذلك ليلة أمس، فماذا دهاني؟ ألم أقوَّ على الصمود، خارت قوتي وضعفت عزيمتي وانطفأت؟
ها أنا الآن أبدأ، ترتعش أناملي، تَسري أنفاسي في هدوء، و هدأت ثورة قلبي، لقد رضيتُ فعلتي بعد جهاد في أول ليلتي، فما عساي أرجو من عليل قد أصاب اليأس منه روحه وصار له مسلكًا وطريقًا!
يتصاعد الدخان من لفافة التبغ المختلط بنوع جديد من الحشيش، أسحب أنفاسي ليعلو صدري، تمتلئ رئتاي بعبق خليط مزجته بيدي. تدمع عيناي لا من ندم ولا توبة. تسقط دمعة ممزوجة بزيت يتطاير حرقة عليها، أزفر زفرة من أنفاسي لتسكن روحي قشعريرة هادئة، تسري في جميع أركاني وجدران بنائي الهش.
أنا كبيت العنكبوت، أنا كبيت بُني من قش أصابه الحر حتى اتقد، ثم تهادى مع أول شرارة أصابته فصار رمادا تزروه الرياح متى جاءت.
انتكست انتكاسة أخرى، وتملكتني لذة اللاوعي واللا إدراك واللاشعور، إلا بما يرضي غرور هواي، وما يأخذني من عالم كثرت فيه التساؤلات إلى عالم من العزلة عن كل شيء. أعلم أنني أتجاهل وأتناسى، لا من أجل شيء، إلا أن أفقد إدراكي لبعض الوقت، حتى أشعر بصفاء مصطنع، وراحة مضطربة، تتأرجح مع الأمواج التي تعصف بي حين أنتهي من أنفاسي الحالية.
أبتسم لا لشيء، إلا لثقل أصاب الرأس والأطراف، أتهادى يمينًا ويسارًا، أرفع رأسي إلى السماء ناظرًا شاخصًا بصري، لا أعي شيئًا مما يخبرني به قلبي المتنصل عني.
أتعلم شيئًا؟ لا أريد مخاطبة نفسي اليوم، لقد مللت من غضبي وأسلوب وعيدي وعقابي. نعم، أنا لست راضيًا عن نفسي، وهي ليست راضية عني. فلتفارق جلستي وتهجر مضجعي وسكينتي. أدع نفسي كما النجوم مضيئة، لا يحجب ضياؤها غيم، ولا يطفيء وهجها إلا ذهاب الليل.
نعم، أعلم أني أخطأت، ولكن الجميع يخطئ، فلماذا أحملُ عناء الكون جراء وحدي؟ الجميع من حولي تناسوا الصدق فأصبحوا يتغنون كذبًا مادحين أحبائهم، يعللون أفعالهم، يبررون شرودهم بعيدًا عن الصواب بقولهم؛ إن لكل ضروري قد يباح محظور. نعم، أرأف بحالهم وأشفق عليهم معي في قولي، ولكن نهجي كله أضحى عيانًا بيانًا لي ولكل من حولي أني أبيحُ المحظور، وجاريت من حولي حديثهم وخطابهم، وبررت أفعالي قائلًا مثل ما قال الأولون.
الوصف صعب جدًا، والتشبيه ليس في محله، ولكن أعلم، أني أقصد أني، يئست من الرجوع إلى الصواب فأعللُ لعقلي بأفكار مثل: المجتمع جميعه كذلك، جميع من حولي مثلي، أنا فقط أعطي الأشياء أحجامًا أكبر وأهوِّل من فعلتي الصغيرة.
ما ضرني من هجري لها؟ ألم أعتد على تلك الفعلة؟ أنا لم أكن خائنًا، ولكن مشاعري تجاهها تبلدت، ولكنها أحبتني ونسجت أحلامًا حول حديثي العذب الجميل.
استدرجتها كما يستدرج الذئب فريسته، أطفأت نور فؤادها ثم مضيت، لم أبالي إلا بنفسي، وتركتها بين ظلمات الماضي تعاني. تُسائلُ نفسها هي الأخرى: أحقًا لم يرد لي إلا خيرًا وسعادة؟ أي سعادة أردتها أيها العاق للحب والناكرُ لجميله؟
ألم يكن هذا هدفي منذ البداية، أن أنسج خيوط الود كي أظفر بفؤادها ثم أضيعه عمدًا؟
فما ألفتُ حديثها الجاد،وما أردت أن أستكمل حياتي معها، بل كنت أبحث عن أخرى تستحقني ،مبررًا قسوة فؤادي بقولي: غيرك من رضيت حديثك واصطحابك، كما أقول أنا، لعلها تفعل ذلك مع غيري، لعلها تخونني، لعلها مثلي أرادت فقط أن تسقطني في شباكها لأصبح أسير جمالها وقيد أناملها.
يا صاحب القلب المريض، ألم تعاني الأمرين حتى بلغت مرادك بين جميع أصحابك، حين راهنت على أن توقع بها داخل شباكك؟ ألم تكن عفيفة القلب، بريئة كطفلة وديعه؟ حاولت معها مرارًا ومرارًا فصدت حديثك وأغلقت في وجهك بابًا، فمازلت تعاود طرق بابها من جديد،حتى انك طرقت إليها ألف باب وباب .
ألم تدعي أنك قد عزفت عمن تخالطهم ونأيت بنفسك عن أفعال المراهقين؟
لقد أصبحت مخادعا محترفا حتى بلغت مقصدك،ثم تركتها في ظلام لُجّي يغشاه موج من الذكريات،من تحته موج من الألم، تعصف بها براكين من الأشواق كما تعصف الريح بالامواج. لقد أنهكت فطرتها وبددتها، وقضيت على براءتها وانتهزت فرصة ضعف قد أصابتها حتى استفاض الدمع منها سيلا رابيًا.
وللحظةٍ إثر نحيبها استفقت وفزعت حين شعرت بأنينها يستجديني ألا أفض الخاتم إلا بحقه، فهرعت من قولها وانتفضتُ، ورحت أصرخ فيها ألا تعود إليّ مرة أخرى وأن تنسى كل قول قد قيل من قبل.
هل حقًا كنت تخاف عقاب الله حينها؟ فلماذا ارتجفت؟ ولماذا فارقتها؟ ألم يكن الأولى لها ولي ألا أتركها صريعة لخطيئة أسقطتها فيها؟ ألم يكن الأصح أن أكفر عن ذنبي فيها؟
نعم لقد فعلت ما وجب عليّ فعله، لقد فارقتها خوفًا عليها من عيشة تعيسة، قد تصبح فيها معي يمغص علينا أحداث الماضي حياة الغد.
ولكني الآن أعلم أني فعلت الخطأ حين هجرتها غدرًا بعد أن كسرت حطام حيائها المتبقي. أتساءل الأن عما أصابها من بعد فعلتي.
حقًا قلبي رقيق! أي غفران أطلبه؟ وأي عفو أسأله؟ وأي راحة أرجوها؟ أحدث نفسي في رعب: لقد طُردت من الرحمة وكُتب عليّك الشقاء، وستبقى مع كل ليلة خائفًا تترقب.
