
مقال 4 دقائق للقراءة
محمد البشير الإبراهيمي، فريد عصره ووحيد زمانه!
المراد بهذه الكلمة هو أن أسعى بجرة قلمٍ قاصرة في حد ذاتها، إلى مجرد الإشادة برجلٍ تجاوزت مكانته العالية وسمعته الأدبية حدود بلادنا!¹
أما قبل، فقد اشتهر الجزائريون منذ القديمِ بأنّهم لا يُقيمون وزنا لعلمائهم! ولايعترفون لهم بحُرمة أو عَهد!.²
مِن العظماء مَن لا يقدره معاصروه حق قدره، وإنما تنتصر له الأيام التي تؤكد مصداق ما نادى به ودعا إليه، فإن من العظماء من ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في حياتهم ومن بعد وفاتهم، ومن هؤلاء الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي، رحمه الله.³
سيرته واحدة من تلك السير التي كلما كَررتتُ قرائتها، تتجدد لدي مشاعر العجب والذهول، كنت و مازلت من المتحيرين المنبهرين به، ولا أظنني قادرا على تجاوز هذه الحالة لفترة من الزمن!
اطلعت على قدرٍ واسعٍ من ثناءات العلماء والأدباء والفضلاء وتلامذته عليه، بعضها إطراء مُفرط لكن لا غرو ولا عتب، لأنهم عاصروا شخصيَّة فذّة منقطعة النظير لم يعرف العالم الإسلامي لها مثيل منذ اثنين وستين سنة من وفاته!
بعد ما قرأت الشيء الكثير مما كُتِب عن هذا الإمام، خلصت إلى أن الإبراهيمي عظيم ليس كغيره من العظماء، فهو عظيم في رجولته، و عظيم في أدبه، وعظيم في قلمه، وعظيم في علمه، وفي كل جوانب حياته ومواهبه التي وهبه الله إياها، وهو أحد القلائل الذين جمعوا بين العبقرية والعظمة⁴.
قال عنه خليله : "فخر علماء الجزائر" وصدق، وقال آخر : "إمام هذا الزمان، المصلح، المجدِّد، مفخرة علماء الإسلام" وصدق أيضا، وقيل له في محفل زاخر بأساطين اللغة والأدب "أنت ملك العربية لهذا العصر، ملكتَ نواصيَها ونواصيَنا" -ولعمري أصاب كبد الحقيقة- ثم بُويع ملكا على العربية في عصره!
أنا أعتبر الإبراهيمي أعظم علماء القرن العشرين بلا منازع، لا يتقدمه أحد في عصره، ووالله -أقولها غير حانث- لو وُضع الإبراهيمي في كفة وجُل أعمدة الأدب وأساطين اللغة -المعاصرين له- في كفة، لرجحت كفته على كفتهم!، لأنه كما قال عنه الدكتور بوعلام بالسايح: " لقد ملك ناصية اللغة العربية، فكان خبيرا بأسرارها، ضالعا في أساليبها، بارعا في فنونها وآدابها، له عليها سلطة وسلطان، تطاوعه كلما عالج موضوعا من المواضيع، وتنقاد له كلما اتخذها أداة للمحاججة والجدال. ليست طريقته فى الكتابة أسلوبا يحتذى فحسب، إنما هي مدرسة ونموذج، وشرعة فى جزالة اللفظ، ومتانة العبارة، وقوة الحجة، فهو الساخر اللاذع إن رام أسلوب السخرية والهزل، ولكنه يعرف حين يسخر كيف يحتفظ بطابع اللباقة الذي يضفي على حكمه وقراره مزيدا من الحدة والطلاوة. أما إذا حاد عن سبل السياسة وسلك سبيل الأدب الرفيع فإن له فى سبك الألفاظ وحبك المعاني مقدرة لا تضاهى، يأتي فيهما بما يسميه نقاد الأسلوب العربي «السهل الممتنع» ولو جازت المقارنة الأدبية لقلنا إنه أناطول فرانس في كتابه « جنة أبيقور » ولا سيما في فصل « الشك » منه."
جاحظ عصره وبديع زمانه، وإن شئت قل: لم تفته من العربية شاردة ولا واردة!⁵ولا حرج، فقد قال أمير شعراء الجزائر يثني عليه في قصيدة طويلة: أدركتَ في الفُصْحَى مدارك لم يكن في العصر ذُو أَدب إليها واصلا!
وهذا نص عزيز للعلامة المغربي الكبير الفقيه والمناضل الوطني الشيخ إبراهيم الكتاني يصف الشيخ الإبراهيمي وقد خالطه زمنا: "والإمام الإبراهيمي رجل فريد في علمه، وفي عمله، وفي خلقه، فهو أديب ممتاز... وهو خطيب مقتدر مؤثر... وهو شاعر مكثر، وأكثر شعره الرجز... وهو مفسر ومحدث وفقيه وأصولي نظار، متضلع في معرفة أسرار الشريعة ومقاصدها، قد توفرت فيه على أتم وجه وأكمله وأوفاه جميع شروط المجتهد المطلق... وهو رجل بسيط في جميع شؤونه كلها، لا يتأنق ولا يتغالى في ملبس ولا مأكل ولا مسكن ولا مظهر، يجلس على الأرض، ويأكل ما وجد، ويخدم نفسه وضيفه، قد بلغ من التواضع وإنكار الذات حدا لا يصدقه من اعتاد أن يرى الصلف والكبرياء والعنجهية صفات ذاتية لازمة لكل من تحدثه نفسه بخدمة الصالح العام."
هذه مكانة الإبراهيمي العلمية و الأدبية، أما نضاله وجهاده وإصلاحاته في داخل الجزائر وخارجها فقد كفّى ووفّى من كتب عنها.
أما بعد، لم يكن الإبراهيمي رجلاً ينتهي بموته فهو حي بآثاره، و العجز عن الإحاطة بمقامه ليس قصوراً في قلم المتحدث فحسب، بل لأن العظمة حين تتجسد حقيقةً يعجز القلم و اللسان عن وصفها! وأي عظمة! إنها عظمة الإبراهيمي!.. "يموت العظماء فلا يندثر منهم إلا العنصر الترابي الذي يرجع إلى أصله، وتبقى معانيهم الحيّة في الأرض، قوة تحرّك، ورابطة تجمع، ونورًا يهدي، وعطرًا ينعش، وهذا هو معنى العظمة، وهذا هو معنى كون العظمة خلودًا، فإن كل ما يخلّف العظماء من ميراث، هو أعمال يحتذيها من بعدهم، وأفكار يهتدون بها في الحياة، وآثار مشهودة ينتفعون بها، وأمجاد يعتزون بها ويفخرون."⁶
هذا ولولا أن يُـظنَّ بـنا غُلُـوّ لَزِدنا في المقال مَن استَزَادَا!
إسلام بوثلجة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ¹ من مقال للدكتور بوعلام بالسايح بتصرف ² أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي 59/1 ³ عبد الرحمن شيبان ⁴ الأستاذ عادل نويهض ⁵ الشيخ حمزة لعرابي ⁶ عيون البصائر ص588
