حوار مع النفس
أنظر إلى نفسي أحيانًا، وأتساءل:
كيف يمكن لأكثر الناس حبًا أن ينتهي بهم الأمر وحيدين؟
لطالما شعرت أنني غريبة وسط جموع الناس.
ألاحظ أكثر مما ينبغي،
وأشعر أكثر مما أستطيع أن أشرح،
وأذهب دائمًا إلى ما وراء الأشياء، لا إلى ظاهرها.
لا تجذبني الأحاديث العابرة،
ولا تشبعني العلاقات السطحية.
فكري متشعب،وقلبي ممتلئ،أحلل كثيرًا،
وتسعدني التفاصيل الصغيرة كما يمكن لتفصيلة صغيرة أن تؤلمني.
لا أحب أن أحكم على أحد،ولا أسابق أحد، ولا أسعى أن أكون أفضل من أحد.
كل ما أريده هو أن أفهم، وأن أشعر، وأن أُفهَم.
لكنني لوقت طويل، ظننت أن ذلك الاختلاف مشكلة فيّ.
وصدقت الأصوات التي كانت تهمس لي "أنتِ صعبة، حساسة، متطلبة" فحاولت أن أتقلص كي لا أثقل على أحد
لكنني في النهاية لم أعد أشبه نفسي.
وتعبت من تخفيف صوت احتياجاتي حتى لا أبدو متطلبة،
ومن إخفاء أجزاء مني حتى أبدو أسهل في الحب.
ولربما لم تكن المشكلة في أني أكثر مما ينبغي بل أني وضعت نفسي في أماكن لا تتسع لها.
قرأت مرة مقولة تقول أنك في المكان الخطأ حتى ميزاتك تصبح عيوب ..
لم أعد أريد أن أكون مناسبة للجميع.
أريد من يراني كما أنا،فيقبلني دون أن يحاول اختصاري،
ويحبني دون أن يطلب مني أن أقلل من عمقي حتى يناسب قدرته على الفهم،
أو أخفي احتياجي حتى يناسب قدرته على العطاء،
أو أصمت عن مشاعري حتى لا أثقل عليه.
وأحيانًا أسأل نفسي:
هل سأجد يومًا من يفهمني دون أن أضطر إلى ترجمة نفسي طوال الوقت، ويعرف كيف يستقبل كل هذا الحب الذي في قلبي ويبادله؟
كم تبدو لي دافئة تلك الفكرة ..
أن يكون لي مكان في قلب شخصٍ لا يصل إليه أحد من العالمين.
أن يشاركني مخاوفه فأطمئنه،
ويكشف لي عن ضعفه فأقويه،
دون أن يخجل من أن يبدو ضعيفًا أمامي.
أن نختلف ولا يصبح اختلافنا مسافة،
بل طريقًا لأن نفهم بعضنا أكثر،
ونتعلم كيف نحب بعضنا بصورة أفضل.
بأفعال بسيطة ولكن مستمرة وبطريقتي الخاصة يصل له كل يوم: أنت مُقدّر.
أن أركض إليه حين أفرح،
فلا يكون الفرح فرحًا إلا حين أشاركه إياه.
وأن ألجأ إلى ذراعيه حين أحزن،
فتخف وطأة الحزن بمجرد قربه،
حتى لو لم يقل شيئًا فإن الاحتضان طمأنينة كاملة.
هل تصدقني إن قلت لك إن هذا في الحقيقة، أكثر ما أريده من العلاقة؟
بيتًا لا تحكمه المثالية،
بل يسوده الحب والرحمة.
شخصين يتسابقان في الحب والفضل لبعضهما،ويعرف كل منهما كيف يكون للآخر مأمنًا حين تضيق به الحياة.
وإنه لأمر غريب أنني كنت أبحث عن الحب في أماكن لم تكن تعرف كيف تمنحه.
ولربما لا تكون المشكلة دائمًا في أن الإنسان لا يستطيع تكوين علاقات عاطفية،
ربما كونها بالفعل ولكن مع أشخاص لا تشبهه أو تؤذيه ولا تحبه ،
وقد يفشل أكثر من مرة،
دون أن يكون شخصًا سيئًا أو معيوبًا،
ربما لأنه كان يختار، كل مرة، ما يألفه لا ما يحتاجه.
فما هو مألوف لنا ليس بالضرورة آمنًا.
نحن ننجذب إلى من يشبه ويحيي جروحنا القديمة على أمل تغيير نهايتها،
إلى النمط الذي اعتدناه،
إلى الشخص الذي يجعلنا نشعر بالمشاعر نفسها التي ظننا يومًا أنها حب.
ثم تتكرر الدائرة.
العلاقة نفسها،
بوجوه مختلفة.
حتى نتوقف يومًا ونسأل:
لماذا أختار دائمًا ما يؤذيني، وأنا أبحث عن الحب؟
وربما لا تنكسر الدائرة حين نجد شخصًا جديدًا.بل حين نتغير نحن.
حين نتعلم أن ما اعتدناه ليس هو ما نستحقه،�وأن الأمان قد يبدو غريبًا في البداية،
لأننا لم نتعلم كيف نشعر به.
وحين نتعافى بما يكفي،
قد لا نبحث بعد ذلك عن الحب الذي يشبه ما عرفناه..
بل عن الحب الذي نحتاجه.
12 مشاهدة