
مقال 3 دقائق للقراءة
رمز ورأي
يجب أن نعلم وندرك أننا أمة لا تمتلك الآن إلا الاعتزاز والفخر برموزها وتاريخها؛ فأما إذا أهنّا رموزنا، فلم يتبقَّ لنا ما نستطيع أن نفتخر به. وذلك انتصارًا للحق قبل التاريخ، وقبل الأشخاص.
في الفترة القصيرة التي تفصل ما بين ذكرى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، والتي كانت في الثامن والعشرين من سبتمبر، وحتى ذكرى انتصار السادس من أكتوبر، والتي تضم أيضًا ذكرى اغتيال الرئيس محمد أنور السادات، تتكرر هذه الفترة سنويًا، ونسترجع جميعًا فيها ما حدث، وينقسم المجتمع تارةً بين مؤيد لزعيم وكاره لآخر. فقد تحوّل اليومان من مجرد استذكار للمشاعر المختلفة والمتناقضة أحيانًا، ما بين فرح وحزن واعتزاز وانكسار، إلى مجرد حرب من الشتائم والسباب بين مؤيدي هذا وذاك.
ومن ملاحظاتي الشخصية في هذه الحرب التي تدور سنويًا، فالحق أقول إنها تكون من جانب مؤيدي عبد الناصر أكثر منها عند مؤيدي السادات؛ إذ إنهم يجدون في معارضتهم وسبّهم، وأحيانًا كثيرة اتهامهم للرئيس السادات بالخيانة، انتصارًا لعبد الناصر.
فلم يعد الاحتفاء بعبد الناصر عبارةً عن ذكر محاسنه وتبرير مساوئه -من وجهة نظرهم- إذا رأوا فيه مساوئ، لأن أغلبهم وضعه في مرتبة نبي يوحى إليه، فهو معصوم من الخطأ، ولهم الحق في تبرير أي فعلة له مهما كانت. ولكن احتفاءهم به أصبح مجرد سبّ للسادات وسياسته وحكمه، وحتى انتصاره في أكتوبر أيضًا اتهموه فيه بالتراجع والخيانة، في الوقت نفسه الذي برروا فيه هزيمة 1967 لعبد الناصر لمجرد اعترافه الكامل باستعداده لتحمّل المسؤولية كلها عمّا حدث في هذا اليوم.
بل وينسبون الانتصار فقط للضباط والجنود، وكأنهم بلا قيادة حكيمة ومحترفة وجّهتهم للعبور والتقدم. وهنا أتساءل: من هو الثابت، ومن هو الذي تغيّر؟
لتأتي الإجابة الحاسمة القاطعة بلا أي تفكير ولا تشكيك: فمن المعلوم للجميع أن من خدم عسكريًا في وقت النكسة وما قبلها بقليل، قد استمر في الخدمة حتى بعد نصر أكتوبر، ولكن من تغيّر هو القائد الأعلى بوفاة عبد الناصر، وطبعًا تغيّرت بعض القيادات غير المحترفة، ليأتي قادة عسكريون محترفون وذوو خبرات عميقة، قد أهّلتهم لجعل الضباط والجنود على أتم استعداد للتقدم والهجوم وتحقيق النصر، بعد أن توجّهت إليهم إشارة البدء من القائد الجديد، محمد أنور السادات.
إذًا، فمن الإنصاف أن نعطي الرجل حقه، ومن الإجحاف في حق عبد الناصر شخصيًا أن نتهم نائبه، الذي استأمنه بعده على قيادة وتسيير أمور البلاد من بعده، بالخيانة.
ليس الاحتفاء بعبد الناصر في اغتيال السادات معنويًا وإضاعة حقه تاريخيًا، وليس الاحتفاء بالسادات أيضًا في سبّ عبد الناصر وسياساته؛ فقد كان عصر عبد الناصر له سماته الخاصة، في فترة جاءت بعد ملكية وإقطاع، وشباب وجدوا أنفسهم يتحكمون في زمام بلد بحجم مصر وقيمتها في المنطقة، بل وفي العالم كله.
فلنحتفِ بعبد الناصر الذي خلّص البلاد من براثن الظلم والاستعمار، والذي بنى المصانع والسد العالي، وأراد نهضة ربما فاقت كل إمكانياته وموارده، وأيضًا فاقت قدرات من كانوا حوله، من دون سبّ السادات أو اتهامه.
ولنحتفِ أيضًا بالسادات، القائد الذي استلم البلاد في حالة يُرثى لها؛ فسِيناء في يد العدو، وقناة السويس مغلقة، والحالة حالة حرب، ليقضي على ذلك بانتصار أكتوبر، وعودة سيناء، وافتتاح قناة السويس، وغير ذلك، من دون سبّ عبد الناصر واتهامه.
وفي النهاية، يجب أن نعلم وندرك أننا أمة لا تمتلك الآن إلا الاعتزاز والفخر برموزها وتاريخها؛ فأما إذا أهنّا رموزنا، فلم يتبقَّ لنا ما نستطيع أن نفتخر به.
وذلك انتصارًا للحق قبل التاريخ، وقبل الأشخاص.
