المقعد الأخير
قصة قصيرة بعنوان: —
ــــــــــــــــــ،
في آخر فصلٍ من فصول المدرسة، كان هناك مقعدٌ خشبيٌّ قديم لا يجلس عليه أحد. كان أقدم من جميع المقاعد، وقد اسودَّ لونه من أثر السنين، وامتلأ سطحه بخدوش صغيرة وكتابات باهتة لم يعد أحد يعرف أصحابها. ومع ذلك، كان المدير يرفض نقله أو استبداله، وكان الأستاذ نادر يصر
على أن يبقى في مكانه، وحيدًا في آخر الصف، كأنه ينتظر شخصًا تأخر كثيرًا عن موعده.
كان الأستاذ نادر يدخل الفصل كل صباح، يضع كتبه فوق المكتب، ثم يرفع عينيه إلى المقعد لحظات قبل أن يبدأ الدرس. لم يكن الطلاب يعرفون سبب ذلك، ولم يكن أحد يجرؤ على سؤاله. وحده سامح، أقدم طلاب الفصل وأكثرهم فضولًا، كان يزعم أن المقعد مسكون بحكاية قديمة.
ذات صباح، وصل إلى المدرسة طالب جديد اسمه آدم. كان في الثالثة عشرة، هادئًا، نحيلًا، يحمل حقيبة مدرسية قديمة، ويرتدي قميصًا بدا واضحًا أن أحدًا سبقه إلى ارتدائه. جلس في آخر الفصل، وحين لم يجد مكانًا شاغرًا، اتجه إلى المقعد القديم ووضع حقيبته فوقه.
دخل الأستاذ نادر، فتوقف عند الباب حين رآه.
قال بهدوء: «قم يا بني.»
رفع آدم رأسه باستغراب وقال: «لماذا يا أستاذ؟»
اقترب نادر من المقعد وقال: «هذا المقعد لا يجلس عليه أحد.»
نظر آدم حوله وقال: «لكنني لم أجد مكانًا آخر.»
ظل الأستاذ صامتًا لحظة، ثم أشار إلى مقعد آخر وقال: «اجلس هناك.»
نفذ آدم الأمر، لكنه ظل ينظر إلى المقعد طوال الحصة.
بعد انتهاء الدرس، سأل زميله عن قصته، فقال له: «كان يجلس عليه طالب اسمه يوسف. كان فقيرًا وذكيًا، ثم ترك المدرسة ولم يعد.»
سأل آدم: «وماذا حدث له؟»
هز زميله كتفيه وقال: «لا أحد يعرف.»
في اليوم التالي، وجد آدم المقعد شاغرًا، فعاد وجلس عليه.
دخل الأستاذ نادر، نظر إليه، ثم إلى المقعد، لكنه هذه المرة لم يطلب منه أن يقوم. بدأ الدرس وكأن شيئًا لم يحدث.
بعد انتهاء الحصة، اقترب آدم منه وقال: «هل كنت تعرف يوسف؟»
تغير وجه الأستاذ قليلًا.
قال: «نعم.»
«وهل عاد؟»
نظر نادر إلى المقعد وقال: «كنت أنتظره.»
سأله آدم: «ولماذا؟»
أجاب الأستاذ بعد صمت: «لأن بعض الناس لا يحتاجون إلى شيء أكثر من أن يجدوا مكانًا يعودون إليه.»
لم يفهم آدم الجملة يومها.
مع مرور الأيام، أصبح أكثر قربًا من أستاذه. كان نادر يشرح له الدروس بعد انتهاء الحصص، ويعطيه الكتب القديمة، وأحيانًا يضع في حقيبته سندوتشًا أو قطعة حلوى دون أن يقول شيئًا. وكان آدم يلاحظ أن الأستاذ يحتفظ دائمًا بدفتر صغير في درج مكتبه، وفي الصفحة الأولى صورة قديمة لطفل يبتسم أمام المدرسة.
ذات يوم، لمح آدم الصورة وسأل: «هل هذا ابنك؟»
أغلق نادر الدفتر بسرعة.
قال: «كان.»
لم يسأل آدم أكثر.
لكن منذ ذلك اليوم، بدأ يلاحظ شيئًا غريبًا. كلما تحدث أحد الطلاب عن ترك المدرسة بسبب الفقر، كان وجه الأستاذ يتغير. وكان يحتفظ في درج مكتبه بقائمة طويلة من أسماء الطلاب الذين انقطعوا عن الدراسة، وبجوار كل اسم ملاحظة صغيرة.
«يحتاج إلى كتاب.»
«يحتاج إلى أجرة الطريق.»
«والده مريض.»
«يعمل بعد الظهر.»
لم يكن آدم يعرف لماذا يفعل أستاذه ذلك.
حتى جاء اليوم الذي اضطر فيه هو نفسه إلى الغياب.
مرض والده، وتراكمت الديون، واضطر آدم إلى العمل في ورشة قريبة بعد انتهاء الدوام. بدأ يتأخر عن المدرسة، ثم يغيب يومًا، ثم يومين.
وفي صباح بارد، وقف أمام باب الفصل وحقيبته على كتفه.
قال للأستاذ نادر: «لن أستطيع المجيء مرة أخرى.»
لم يسأله الأستاذ عن السبب. كأنه كان يعرف.
قال آدم: «أبي مريض، وأنا أحتاج إلى العمل.»
اقترب نادر منه، وأخرج من جيبه قلمًا قديمًا مكسور الغطاء، ثم وضعه في يد آدم.
قال: «احتفظ به.»
نظر آدم إلى القلم وقال: «لكنه مكسور.»
ابتسم نادر وقال: «بعض الأشياء تظل قادرة على الكتابة رغم أنها مكسورة.»
صمت آدم.
ثم قال: «وماذا لو لم أعد؟»
نظر إليه الأستاذ طويلًا وقال: «سأترك لك مكانك.»
قال آدم: «حتى لو تأخرت؟»
أجاب نادر: «حتى لو تأخرت كثيرًا.»
كانت تلك آخر مرة يرى فيها آدم أستاذه.
غادر المدرسة، ولم يعد.
مرت السنوات.
كبر آدم، وعمل في أكثر من مكان، ثم بدأ تجارة صغيرة، وبعد سنوات تحولت التجارة إلى شركة ناجحة. لكنه لم ينسَ القلم المكسور، ولا الجملة التي قالها له أستاذه.
أما الأستاذ نادر، فقد تقاعد.
وظل المقعد في مكانه.
وفي أحد الأيام، توقفت سيارة فاخرة أمام المدرسة، ونزل منها رجل في الأربعين تقريبًا. دخل إلى الإدارة وسأل عن الأستاذ نادر، ثم سأل سؤالًا آخر جعل المدير يحدق فيه باستغراب:
«هل ما زال المقعد الأخير موجودًا؟»
قال المدير: «نعم.»
ابتسم الرجل وقال: «إذن لم يتغير شيء.»
ذهب إلى بيت الأستاذ نادر.
فتح الأستاذ الباب بصعوبة. وحين رأى الرجل، ظل صامتًا للحظات.
قال الرجل: «ألم تعرفني؟»
رفع نادر عينيه.
ثم قال بصوت مرتجف: «آدم؟»
ابتسم آدم وقال: «نعم يا أستاذ.»
جلسا طويلًا يتحدثان.
حكى آدم عن السنوات التي مرت، وعن العمل، وعن أبيه الذي توفي بعد سنوات من المرض، وعن الشركة التي بناها، وعن المدرسة التي كان يحلم أن يفتحها يومًا للأطفال الذين لا يستطيعون تحمل نفقات التعليم.
ثم قال: «جئت لأشكرك.»
ابتسم نادر وقال: «لم أفعل شيئًا.»
أخرج آدم القلم القديم من جيبه ووضعه أمامه.
قال: «بل فعلت.»
نظر نادر إلى القلم طويلًا.
قال آدم: «كنت أظن أنني فقدت كل شيء يوم تركت المدرسة. لكنني كنت أحمل معك شيئًا لم أعرف قيمته إلا بعد سنوات.»
ثم أخرج مفتاحًا ووضعه أمام الأستاذ.
قال: «هذا مفتاح المدرسة الجديدة.»
سأل نادر: «مدرسة؟»
أجاب آدم: «بنيتها للأطفال الذين قد يضطرون إلى ترك مدارسهم لأنهم لا يملكون ثمن كتاب أو أجرة طريق.»
لم يستطع الأستاذ أن يمنع دموعه.
قال: «كنت أعرف أنك ستعود.»
هز آدم رأسه وقال: «أنا لم أعد يا أستاذ... أنا فقط جئت لأوفي بوعدي.»
بعد أشهر، افتتحت المدرسة الجديدة.
وفي مدخلها وضع آدم المقعد القديم الذي كان في آخر فصل من مدرسته الأولى. لم يفهم أحد لماذا أصر على نقله، لكنه وضع فوقه لوحة صغيرة كتب عليها:
«هذا المقعد ليس لمن سبقوه، بل لمن يحتاج إليه.»
وفي يوم الافتتاح، بحث آدم عن أستاذه نادر بين الحاضرين.
لم يجده.
كان الأستاذ قد توفي قبل الافتتاح بأسبوع.
وفي المساء، جاء المدير إلى آدم بصندوق خشبي صغير وقال: «تركه الأستاذ لك.»
فتح آدم الصندوق.
وجد عشرات الرسائل.
كل رسالة تحمل اسم طالب من طلاب المدرسة القديمة.
فتح الأولى.
«يا بني، إذا اضطررت إلى ترك المدرسة، فلا تظن أنك تركت مكانك. سأظل أتركه لك.»
فتح الثانية.
ثم الثالثة.
كانت الرسائل جميعها تقريبًا تحمل المعنى نفسه.
بعضها كتبها الأستاذ قبل عشر سنوات، وبعضها قبل خمسة عشر عامًا، وبعضها قبل عشرين عامًا.
ثم وجد آدم رسالة تحمل اسمه.
توقف قلبه لحظة.
فتحها.
كانت قصيرة:
«آدم، إذا عدت يومًا، فلا تبحث عني. ابحث عن المقعد.»
قرأها مرة أخرى.
ثم لاحظ شيئًا في أسفل الصفحة.
كان التاريخ يعود إلى ثلاث سنوات قبل أن يدخل آدم المدرسة أصلًا.
تجمدت عيناه.
قلب الورقة.
وجد سطرًا واحدًا:
«إلى الطفل الذي سيجلس هنا يومًا، ولا أعرف اسمه بعد.»
ظل آدم واقفًا لا يتحرك.
ثم بدأ يقلب بقية الرسائل بعصبية، حتى وجد واحدة أقدم منها.
كان فيها اسم طفل آخر.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
عشرات الأسماء.
أطفال تركوا المدرسة بسبب الفقر، أو المرض، أو موت الأب، أو عجز الأسرة عن دفع المصاريف.
وفجأة أدرك الحقيقة.
يوسف لم يكن المقصود.
وآدم لم يكن المقصود.
ولم يكن هناك طفل واحد ينتظره الأستاذ نادر.
كان ينتظر كل طفل يمكن أن يضطر إلى الرحيل.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الصندوق.
وجد آدم صورة قديمة لطفل صغير يقف أمام المدرسة، وبجواره الأستاذ نادر.
كان الطفل يبتسم، وفي يده قلم.
قلب آدم الصورة.
كان مكتوبًا خلفها:
«ابني سامر. ترك المدرسة لأنه لم يجد ثمن الكتب. وعدني أنه سيعود. لم يعد.»
ظل آدم يحدق في الصورة.
ثم فهم لماذا كان المقعد دائمًا فارغًا.
ولماذا كان الأستاذ يراقبه كل صباح.
ولماذا كان يكتب أسماء الطلاب الذين يغادرون.
ولماذا كان يقول لكل واحد منهم: «سأترك لك مكانك.»
لم يكن نادر ينتظر عودة ابنه.
كان يعرف أنه لن يعود.
كان ينتظر أن يمنح أبناء الآخرين ما عجز عن منحه لابنه.
جلس آدم على المقعد القديم، ووضع صورة سامر إلى جواره، ثم أخرج القلم المكسور من جيبه.
للمرة الأولى، فهم لماذا أعطاه الأستاذ ذلك القلم.
لم يكن القلم هدية.
كان اعترافًا صامتًا بأن الأستاذ نفسه كان رجلًا مكسورًا، لكنه اختار أن يواصل الكتابة.
وفي صباح اليوم التالي، دخل أول طفل إلى المدرسة الجديدة. كان صغيرًا، مرتبكًا، يحمل حقيبة مهترئة، ويتلفت حوله كأنه يبحث عن مكان لا يطرده.
تقدم من المقعد وسأل آدم: «هل أستطيع الجلوس هنا؟»
نظر آدم إلى المقعد، ثم إلى الطفل.
ابتسم وقال: «هذا المقعد لك.»
جلس الطفل.
وفي تلك اللحظة، فهم آدم أن أستاذه لم يترك له مقعدًا.
لقد ترك له رسالة.
أن الإنسان يستطيع أن يحوّل خسارته إلى نجاة لغيره، وأن المكان الذي فقد فيه شخصًا عزيزًا يمكن أن يصبح المكان الذي يجد فيه آخرون أنفسهم.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد المقعد يسمى «المقعد الأخير».
أطلق عليه الأطفال اسمًا آخر:
«المقعد الذي لا يترك أحدًا خلفه.»
بقلم / احمد عزيز الدين احمد
كاتب وروائي وشاعر
#الأدب_العربي #لآلئ_اليوم

1 مشاركة35 مشاهدة