على هامش الأحياء
كان الشاي قد بدأ يُرسِلُ صوتَهُ المكتومَ من الإبريق الصغير فوق الشُّعْلة الهادئة، حين انتبه سليمٌ إلى أن حركةَ يديه لم تعد تحتاج إلى تفكير.
منذ أعوامٍ، يدور في الشقة وَفْق هندسةٍ غيرِ مرئية؛ خطوتان من الفِرَاش إلى المقعدِ المقابل للمِذْياع المُطفَأ، ثلاثُ خطواتٍ إلى المطبخِ الصغيرِ، ثم توقف دقيق عند البُقْعة التي ينكسر عندها ضوءُ الصباح الباهتُ القادمُ من بين ألواحِ النافذة.
على الطاولة الخشبية ذاتِ القشرة المتآكلةِ، فنجانٌ واحدٌ، وطبَقٌ صينيٌّ واحدٌ، في حافَتِهِ شرخٌ قديمٌ يتذكر أنه أراد مُعالجتَهُ ذاتَ يومٍ.
وخلفَ البابِ، طردٌ كرتونيٌّ مُربَّعٌ تُغطِّيه طبقةٌ خفيفةٌ من الغُبَار. كان قد وصَلَ قبل شهرينِ أو ربما أكثَرَ. لم يتحمَّس لفتحِهِ، ولم يعُدْ يتذكَّرُ تمامًا ما الذي طلبَهُ حينَها.
وعلى واجهةِ الثلّاجةِ الصامتةِ، ثبتت ورقةٌ صفراءُ صغيرةٌ بخطِّ يدِهِ الجافِّ: «اشترِ لبَنًا».
كانت الورقةُ قد فقدت لاصِقَها من إحدى الزوايا، فتدلَّتْ كأُذُنٍ مكسورةٍ. لم يعُدْ يشربُ اللَّبَنَ، لكنه لم يجد سببًا كافيًا لخلع الورقةِ وإلقائها في القُمَامة.
حمل الفنجانَ، وجلس.
هاتفه المحمول المُلقَى على الرفِّ أطفأ شاشتَهُ تدريجيًّا. لم يرنّ.
لم يكن في الأمر قسوةٌ. هو نفسُه، لو رنّ الهاتفُ فجأةً، لربما نظر إليه بحَيْرةِ كائنٍ نَسِيَ كيفيّةَ التعامُلِ مع الأشياءِ التي تأتيه من الخارج.
طَرْقتانِ ثقيلتانِ، غير منتظمتينِ، هزَّتا البابَ.
توقف الفنجانُ على مسافةِ سنتيمتراتٍ من شَفَتَيْه.
طالعَهُ الذهولُ؛ فالبابُ لا يُطرَقُ إلا مُصادفةً من بائعٍ يُخطئ الطابقَ، أو صبيٍّ يحمل منشوراتِ دعاية.
نهض ببطء، وخطواتُه هادئةٌ، وكأنه يعتذر للفرش القديم عن وطأة قدميه.
فتح البابَ نِصفَ فتحةٍ.
كان أمامه شابٌّ يرتدي سُتْرةً زرقاءَ، يُمسِكُ جهازًا لَوْحيًّا صغيرًا وقلَمًا بلاستيكيًّا، وعلى وجهه طابع العجَلة والاستنزاف الذي يكسو وجوهَ موظفي الخدمةِ الميدانيةِ.
- سليم عبد السلام؟
- نعم.
نظر الشابُّ إلى الشاشة، ثم رفع عينيه، وتفحّص وجهَ سليمٍ بنظرة تتأرجح بين عدم التصديق والارتباك. أعاد تمرير أصبعه على الشاشة، ثم قال:
- غريبة... الحساب موقوفٌ من ثلاثةِ أشهُرٍ يا أستاذ. النظامُ رافضٌ تحديثَ البيانات.
- ليه؟
تردد الشابُّ لحظةً.
- مكتوبٌ هنا أنّ المعاملةَ متوقفةٌ لأن... لأن البياناتِ المسجلةَ بتقول: إن صاحبَ الحسابِ مُتَوفًّى.
لم يرتجف سليمٌ. ولم ينفعل، ولم يرفع صوتَهُ احتجاجًا على هذا الخطأ الفادح.
حدّق في الشابِّ لحظةً، ثم هبطتْ عيناه إلى كفَّيْه المفتوحتينِ أمامَ صدره.
كان في الخبر قَدْرٌ غريبٌ من الاتِّساق مع العالَم.
- لازم تحضر بنفسك مصلحة الأحوال المدنية للتعديل... الإجراء مبقاش بيتقبل يدوي.
قال الشابُّ ذلك وهو يتراجَعُ خُطوةً، ثم مضى يَهبِطُ السُّلَّمَ بسُرْعة.
أغلق سليمٌ البابَ.
وقف في الصالةِ، وظلالُ الغروبِ الخفيفةُ تَزحَفُ على الجُدْرانِ.
كان ينبغي أن يغضب، أو يضحك، أو يتصل بأحد.
لكنه لم يفعل.
ظل واقفًا ينظر إلى الباب المغلق.
ثم إلى يديه.
وللمرة الأُولى منذ وقتٍ طويلٍ، بدا له أن أحدًا في الخارج قال بصوتٍ مسموع شيئًا ظلَّ هو يَعرِفُهُ في الداخل.
وفي الصباح التالي، ارتدى معطفَهُ البُنِّيَّ الداكنَ. وكان أوسَعَ قليلًا مما يَجِبُ، وحوافُّهُ متآكلةٌ من كثرة ما ظلَّ مُعلَّقًا في خزانةٍ مُغلَقةٍ.
فتح بابَ البناية، وخرج إلى الشارع.
كان الشارع في التاسعة صباحًا ممتلئًا على نحوٍ لم يعُدْ يذكُرُ أنه كان يومًا جُزءًا منه: صخَبُ السيارات، أجراسُ الدرّاجات، الباعة المتجولون، وأصوات المارّةِ وهي تتقاطعُ ثم تختفي.
سار ملاصقًا للجُدْران.
مرَّ بجواره جارٌ قديمٌ، رجلٌ يسكن البنايةَ نفسَها منذ عَشْرِ سنواتٍ. كان يتحدَّثُ في هاتفِهِ وذراعُهُ مرفوعةٌ، فعبَرَ أمامَ سليمٍ دون أن تقَعَ عيناهُ عليه.
تنحَّى سليمٌ جانبًا تلقائيًّا.
كأنّهُ عود قشٍّ يتجنب التلاطُمَ في ماءٍ اندفع فجأةً.
واصَلَ سيرَهُ نحوَ المَيْدانِ الذي تقَعُ فيه المصلحةُ الحكوميّةُ.
أمام دُكّانٍ صغيرٍ لبَيْعِ الأدواتِ المكتبيّةِ والكُتبِ، توقَّفَ لحظةً.
كان هناك صبيٌّ لم يتجاوز السادسةَ عَشْرةَ، يحمل رزمةً ثقيلةً من الكَرّاساتِ والكُتبِ. انحنتْ كتفاه تحت ثِقَلِها، وقطراتُ العرَقِ تنحدرُ من جبهَتِهِ.
لم يتذكَّرْ سليمٌ شيئًا بالكلمات.
فقط ارتفعتْ يدُهُ اليسرى تلقائيًّا، ومسح إبهامه سبابته.
كان هناك إحساسٌ ماديٌّ جافٌّ على أطراف أصابعه؛ خشونة خفيفة لم تختفِ تمامًا.
سحب يدَهُ سريعًا إلى جَيْبِ معطَفِهِ.
ومضَى.
وبعد مسافةٍ قصيرةٍ، اضطر إلى الانتظارِ عند زاويةِ الطريقِ لمرور حافلةٍ.
بالقُرْب منه، كان رجلانِ يتشاجرانِ حول بِضَاعةٍ مُتأخِّرةٍ.
رفع أحدُهما ورقةً مجعدة في وجه الآخر وصاح:
- معايا إيصال رسمي يُثبِتُ حقِّي! معايا ورقةٌ تُثبِتُ أنك قد استلمتَ!
تحركتْ أصابعُ سليمٍ داخل جَيْبِهِ.
تقلبت في الهواء الضيق كما لو كانت تبحث عن حوافِّ أوراقٍ قديمةٍ.
توقفت يدُهُ.
ضغَطَ عليها.
ثم أخرجها من جَيْبِهِ.
كانت تلك المعارك قد انتهت منذ سنواتٍ.
واصَلَ السير.
كانت صالة الأحوال المدنية تعُجُّ بالبشر.
صفوفٌ متداخلة، أصواتُ أجهزةِ الطباعة، نداءاتُ الموظفين، ورائحةُ الأوراقِ القديمةِ المختلطةُ برطوبةِ الملفات الكرتونية.
وقف سليمٌ في الطابور.
لم يزاحم أحدًا.
وكلما تقدم شخصٌ أمامَهُ بحُجّة العجَلة، تراجع خُطوةً إلى الخلف دون اعتراضٍ.
وحين وصل أخيرًا إلى الشُّبّاكِ، كان الموظَّفُ جالسًا خلف الزُّجَاج، يُقلِّبُ الأوراقَ بعينين متعبتين.
أخذ الاستمارةَ دون أن يرفع عينيه.
- الاسم؟
- سليم عبد السلام.
- الرقْم القومي؟
أملاه الأرقامَ ببطء.
ضرب الموظَّفُ على لَوْحةِ المفاتيحِ بضغطاتٍ متلاحقةٍ، ثم توقَّفَ.
رفع عينيه لأول مرة.
- اسمك مقفول في السيستم يا أستاذ.
ظل سليمٌ صامتًا.
- فيه قيد وفاة أوتوماتيكي. البيانات عندنا ما فيهاش نشاط من فترة، والنظام سجل الحالة كده. محتاجين نحدث البيانات، ونلغي القيد.
ناولَه الموظَّفُ استمارةً أخرى.
- افتح دي.
فتح سليمٌ الاستمارةَ.
قلّب الموظَّفُ صفحاتِها بسُرْعة، ثم ثبت القلمَ بين أصابِعِهِ.
- الحالة الاجتماعية؟
- أعزب؟ متزوج؟
- أعزب.
- فيه أقارب من الدرجة الأولى للتأكيد؟ حد يقدر يدلي ببيانات سكنك الحالية؟
صمَتَ سليمٌ.
لم يمُرّ أمامَهُ شريط من الذكريات.
جاءَتْهُ الأسماءُ فقط.
اسمًا بعدَ اسمٍ.
ثم لا شيءَ.
كل واحد منهم انسلخ من حياته في حارة أو شارع أو حادثة صغيرة لم يكن لها يومًا عنوان واضح.
لم يتخاصم مع أحد.
لم يقتل أحدًا.
فقط تباعدت المسافات حتى أصبحت المكالمةُ تحتاج إلى سبَبٍ، ثم لم يعُدْ هناك سببٌ.
- مفيش.
رفع الموظَّفُ عينيه إليه لحظةً.
ثم أعادهما إلى الشاشة.
- ماشي.
طبع شيئًا، ثم سحب ورقةً من الطابعة.
وضعها تحت المكبس، وضغَطَ.
جاء الصوت جافًّا وحاسمًا.
طَخ.
مدَّ الموظَّفُ الورقةَ عبر الفُتْحة السُّفْلية للزُّجَاج.
- وقّع هُنا.
أشار إلى خانةٍ في أسفلِ الصفحة.
نزلت عينا سليمٍ إليها.
كانت هناك كلمةٌ واضحةٌ، سوداءُ، لا تحتاج إلى تفسير:
الحالة: حيٌّ
تأمَّلَها طويلًا.
بدا له أن الكلمةَ لا تخصُّهُ تمامًا.
أمسك القلَمَ.
كانت يدُهُ أثقَلَ من المعتاد.
وضع سِنَّ القلَمِ على الورَقةِ، ووقَّع بخطٍّ خفيفٍ، وكأنه يخشى أن يترك أثرًا أكبَرَ مما ينبغي.
سحب الموظَّفُ الورقةَ.
- خلاص يا أستاذ. البيانات هتتفعّل بُكْرة.
طوى سليمٌ الورقةَ إلى نصفينِ، دون أن يضغطَ على الطيّةِ، ووضعها في جَيْبِ معطَفِهِ الداخلي.
ثم خرَجَ.
كانت الشمسُ قد ارتفعتْ، والضوءُ يغمر الساحةَ المُمتدَّةَ أمامَ المبنى.
عادةً، بعد أن يُنهِيَ أيَّ شأن رسمي، كان يركب الحافلةَ فورًا، ويعود إلى شقتِهِ.
إلى الباب.
إلى الفنجان الواحد.
إلى الصمت الذي يَعرِفُهُ، ولا يسأله شيئًا.
لكنه هذه المرّةَ لم يتجه نحوَ موقف الحافلات.
توقف عند زاوية المَيْدان.
نظر إلى المقاعد الخشبية المنتشرة تحت أشجار «ذقن الباشا» القديمة.
كان بعضها مشغولًا: رجلٌ يقرأ صحيفةً، عاملٌ يتناولُ شَطِيرةً، واثنانِ يتبادلانِ حديثًا لا يَسمَعُهُ.
مشى نحو مقعد يقع في طرَف المَيْدان.
كان أقرب المقاعد إلى الشارع، وأبعدها قليلًا عن تجمعات الناس.
جلس.
وضع يديه فوق ركبتيه.
مرت السياراتُ أمامَهُ، وارتفعتْ أصواتُ الباعة، وحمل الهواءُ رائحةَ العوادمِ ممزوجةً برائحة الفُلِّ الذي يَبِيعُهُ رجلٌ عند الإشارة.
أدخل سليمٌ يدَهُ في جَيْبِهِ الداخلي.
لمس أطرافَ الورقة.
لم يُخرِجْها.
وفجأةً، تدحرجتْ كُرَة قدَمٍ بلاستيكيةٌ صغيرةٌ مِن بينِ الأشجارِ.
عبرت الأسفلت، واصطدمت بخفة بأسفلِ حذائه الأيسر، ثم توقفتْ.
بعد ثوانٍ، ركض نحوَها طِفلٌ صغيرٌ.
توقف أمام المقعد.
نظر إلى الكُرَة عند قدَمِ سليمٍ، ثم رفع عينيه إليه.
نظر سليمٌ إلى الطِّفلِ.
ثُمَّ إلى الكُرَة.
رفع قدمَهُ ببطءٍ.
دفع الكُرَةَ دفعةً قصيرةً.
تدحرجت مترينِ تقريبًا، حتى توقفتْ عند قدمَيِ الطِّفلْ.
ابتسم الطِّفلُ.
- شكرًا!
التقط الكُرَةَ، وركضَ بها عائدًا.
ظلَّ سليمٌ جالسًا.
تَبِعَ الطِّفلَ بعينيه حتى اختفى بين المارّةِ.
ثم عاد بنظره إلى المَيْدان.
انفرجت شفتاه عن ابتسامةٍ صغيرةٍ، بالكاد ظهرتْ.
كانت الورقةُ في جَيْبِهِ تقولُ شيئًا.
أما الكلمة التي سَمِعها منذُ لحظةٍ، فلم تكن في أيّةِ ورَقةٍ.
ظلَّ جالسًا.
لم يعُدْ إلى بيتِهِ في تلك الساعةِ.
ولم يحدث شيءٌ آخَرُ.
فقط ظلَّ هناك، هادئًا، في مكانٍ حقيقيٍّ، بين أناس يمضون في حياتهم، وهو على مقعدٍ يقع عند الحافَةِ.
على هامش الأحياء.

43 مشاهدة