أنا وجدتي
ثم يسألونك: لماذا تكتب؟
عن وطن تُنال فيه الحقوق بالتسول، كما لو أن الحق شيء مُهدَر لا يُعطى إلا بعد استجداء،
وأرض صلبت على أبوابها الكرامة، ولم يحرك الضمير ساكنًا، تاركة الناس يواجهون الحياة وحدهم.
عن كل شيءٍ صار لا شيء:
الحقوق التي تتوسل لمنحها،
الصدق الذي اختفى بين الضجيج،
الأمانة التي ضاعت،
وقيمة الإنسان التي أهملها الجميع، حتى أصبح مجرد ظل يمر بلا اعتبار.
يسألونك لماذا تكتب؟
كل شيءٍ مفقود هنا،
كل شيءٍ إلا الحرب،
مازالت تقيم بيننا.. تقتات من أجسادنا ودمائنا..
كلنا وأرضنا حَصَب للحروب والصراعات.
يسألونك لماذا تكتب؟
عن مدينة عقّت أبناءها صغارًا، فواجهتهم بالنكران حين بلغوا الرشد، وأبقتهم وحيدين أمام صعاب الحياة، كأنهم لم يولدوا إلا ليختبروا صبرهم على الظلم.
عن صباح فقد شهيته، وليلٍ يرزح فوق أوجاع المعدمين، يغطيها بظلاله الثقيلة، تاركًا القلوب منهكة، والأنفاس معلقة بين انتظار وأسى لا يزول.
يسألونك: لماذا تكتب؟
لم يدركوا بعد أن الكتابة ليست مجرد حروف، بل جسر يمتد من القلب إلى القلب، مسافةً تعبرها الأرواح بسرعة الألم، فتصل إلى حيث تنبض المعاناة، فتغدو الكلمات حياةً، والنصوص نوافذ في زمنٍ غارق في الظلال.
إنها الكتابة، زادنا الوحيد في رحلة الحياة الطويلة، بها ندفن ماضينا، نضمّه إلى دفاتر الذاكرة، نفهمه، ننجو بها من عثرات حاضرنا، ونستشرف بها مستقبلنا بعين يقظة، وروح تحلق فوق قيود الواقع، لترى ما لا تراه العيون، وتحس ما لا يشعر به القلوب.
في ليلة من ليالي الشتاء البارد، كانت جدتي تحكي لنا رحلتها مع الحياة، تتنفس ذكريات الطفولة، وتستدعي وجع الأيام البعيد، وفي منتصف الحديث أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوتٍ يوشك أن ينكسر:
"قاتل الله الأمية! ماذا لو كنت عرفت إلى الكتابة سبيلاً!"
تلك جدتي، المرأة الحكيمة الفطنة، كانت تسرد الحكايات بلغة التجارب التي عاشتها على أرض الواقع، لم تكن تبتكرها من خيالها، بل كانت تعيشها وتنقلها كما هي، بحلوها ومرها، بفرحها وحزنها. كانت أمية، وهذا ما جعلها تزرع في قلبي شغف التعلم:
"أريد أن أراك كاتبًا، حتى لا تبخس تجاربك حقها، ولا يضيع صوتك بين صمت الأيام."
جدتي روائية فريدة، لو كانت تملك أدوات الكتابة، لكانت زمانها في الرواية، لكانت امرأة تُسرد بها الأجيال.
هي لم تصطنع الروايات من خيالها كما يفعل الكثيرون، بل كانت حياتها وكفاحها وتجاربها كفيلة بإنتاج عشرات الروايات الإنسانية والاجتماعية، كل واحدة منها تحكي قصة مجتمع، تجربة إنسانية، صراعًا مع قسوة الحياة أو تحديات الزمن، وتغدو فيها النفس البشرية بطلة وحيدة تبحث عن خلاصها.
إنها أمة من التجارب والتحديات، قلبها يفيض بالحكمة، وصوتها يعلو فوق صمت الجهل والحرمان، بين دفاتر كتاباتها الخفية يظل درسها حيًا، كخيط نور يقطع عتمة الأيام، وكرسالة لكل من يسعى للكتابة: الكتابة حياة، الكتابة خلاص، الكتابة جسر بين قلوبنا وآلامنا، بين حلمنا وواقعنا، بين الصمت والصراخ، بين النسيان والخلود.
فللكتابة، يا صديقي، سحرها الخاص؛ فهي اليد التي تلمس الألم، وتزرع الأمل، وتنسج من المعاناة نورًا، ومن الصمت صوتًا، ومن الوجع حكاية لا تموت.
حين تكتب، فأنت تصنع عالمًا حيًا بين حروفك ونبضك، عالمًا ترى فيه كل تجربة ثمنها، وكل دمعة قيمتها، وكل حلم صوته، وكل إنسان مكانه في قصيدة الحياة الخالدة.
والكتابة، في النهاية، ليست مجرد حروف أو كلمات، بل هي الروح التي تلتقط الوجود من صمت العدم، وتحوّله إلى حياة، إلى ذكرى، إلى أمل، إلى نور لا ينطفئ.
7 مشاهدة