
مقال 4 دقائق للقراءة
خارجًا عن السرب أطير
ليس كل من اختار طريقًا مختلفًا كان يبحث عن الاختلاف، وليس كل من ابتعد عن السرب كان يكره السرب.
أحيانًا، تكون المسألة أبسط وأعمق من ذلك كله: أن يكتشف الإنسان أن الطريق الذي يسلكه الجميع لا يشبهه.
منذ أن بدأت أكتب، لم أكن أبحث عن مكان بين الكتّاب بقدر ما كنت أبحث عن مكان يشبهني بين الكلمات. لم تكن غايتي أن أقول ما قيل بطريقة أجمل، بل أن أجد تلك المساحة التي لا يستطيع أحد أن يكتب فيها سواي.
فالشعر، في نظري، ليس استعراضًا للغة، ولا سباقًا في كثرة الصور والمحسنات، ولا محاولة لارتداء أصوات الشعراء الذين سبقونا.
الشعر أن تكون أنت.
أن تكتب من المكان الذي أوجعك، ومن اللحظة التي غيّرتك، ومن الذاكرة التي لم تستطع الأيام أن تمحوها.
ولهذا اخترت أن أطير خارج السرب.
لا تكبّرًا على أحد، ولا ادعاءً بأنني أملك الحقيقة، وإنما لأنني أؤمن أن لكل شاعر طريقته في رؤية العالم، وأن أجمل ما يمكن أن يقدمه الكاتب للناس هو صوته الخاص.
قد يختلف معي قارئ، وقد لا تعجبه قصيدة، وقد يرى أنني أخطأت في اختيار كلمة أو صورة أو موقف. وهذا حقه.
فالكاتب الذي يخاف الاختلاف لن يكتب أدبًا، بل سيكتب ما يضمن له التصفيق.
وأنا لا أبحث عن التصفيق.
أبحث عن أثر.
أبحث عن بيتٍ شعري يبقى في ذاكرة قارئ بعد أن يغلق الصفحة، وعن جملة تجعله يتوقف لحظة ويقول: «كأنّه كتب شيئًا كنت أشعر به ولا أعرف كيف أقوله.»
هناك تبدأ الكتابة الحقيقية.
لقد علمتني الحياة أن الكلمات لا تولد جميعها من الكتب.
بعضها يولد من الفقد.
بعضها من الغربة.
بعضها من الفقر حين يضع الإنسان أمام نفسه بلا أقنعة.
وبعضها يولد من الحب، حين يصبح القلب أكثر قدرة على رؤية الأشياء وأشد عجزًا عن وصفها.
لهذا لا أستطيع أن أفصل الشاعر عن الإنسان.
كل قصيدة تحمل شيئًا من صاحبها، حتى لو حاول إخفاءه.
فيها شيء من طفولته، من خوفه، من أحلامه، من الأماكن التي أحبها، ومن الأشخاص الذين عبروا حياته وتركوا فيها أثرًا لا يزول.
وربما لهذا السبب لا أؤمن بالكتابة الباردة.
لا أريد نصًا متقنًا فحسب؛ أريد نصًا حيًا.
أريد للكلمة أن يكون لها قلب.
وللصورة أن يكون خلفها وجع.
وللقصيدة أن تحمل روح صاحبها، لا أن تكون مجرد صفٍّ جميل من الكلمات.
أنا من دمشق، والمدينة بالنسبة إليّ ليست مكانًا على الخريطة.
إنها ذاكرة.
رائحة.
صوت.
وجوه.
حكايات.
وأشياء كثيرة لا تستطيع الجغرافيا أن تشرحها.
وحين أكتب عنها، لا أكتب عن مدينة فقط؛ أكتب عن جزء مني.
وحين أكتب عن الغربة، لا أكتب عن المسافة بين بلدين، بل عن تلك المسافة الخفية التي تنشأ أحيانًا بين الإنسان وبين نفسه.
وحين أكتب عن الحب، لا أبحث عن صورة مثالية له؛ أبحث عن الإنسان حين يحب، حين يخاف، حين يشتاق، وحين يحاول أن يخفي ضعفه خلف الكلمات.
لهذا أكتب.
ولذلك سأبقى أكتب.
لا لأن الطريق سهل، بل لأنه الطريق الذي اخترته.
ولا لأنني أعرف إلى أين سيصل، بل لأنني أعرف أنني إن توقفت عن السير فيه سأفقد شيئًا من نفسي.
قد يسبقني آخرون.
وقد يتأخر عني آخرون.
وقد لا يعرفني البعض إلا بعد سنوات.
لا بأس.
فالأشجار لا تستعجل ثمرها، والكتب لا تعرف قيمتها في اليوم الأول، وبعض الأصوات تحتاج إلى وقت طويل حتى تصل إلى المكان الذي تستحقه.
أنا لا أريد أن أكون نسخة من أحد.
أحترم الذين سبقوني، وأقرأهم، وأتعلم منهم، لكنني لا أريد أن أعيش داخل ظلالهم.
أريد أن أترك ظلي أنا.
أن تكون لي جملتي.
وصورتي.
ومفردتي.
وأن يعرف القارئ النص قبل أن يرى الاسم، ثم يعرف الاسم بعد أن يقرأ النص.
تلك، بالنسبة إليّ، هي هوية الكاتب.
أن يصبح لك صوت لا يشبه غيرك.
ولهذا أقول:
خارجًا عن السرب أطير.
لا هروبًا من الآخرين، بل بحثًا عن نفسي.
لا رفضًا للطريق، بل اختيارًا لطريقي.
لا رغبةً في أن أكون مختلفًا، بل لأنني لم أستطع أن أكون شيئًا غير ما أنا عليه.
فإن وصلت كلماتي إلى قلب إنسان، فقد وصلت.
وإن بقيت قصيدة واحدة لي في ذاكرة قارئ بعد سنوات، فقد ربحت.
أما السرب…
فليحلّق حيث يشاء.
أنا اخترت السماء التي تشبهني.
