
مقال 3 دقائق للقراءة
القلب المفقود
حين تبحث عن قلبك في مدينة الحب، تعود بلا قلب، وبلا مدينة.
حين تبحث عن قلبك في مدينة الحب، تعود بلا قلب، وبلا مدينة.
دخلت مدينة الحب رغما عنى ، كمسافر أجبر على طريق لم يختره ، ولا يعرف إلى أين ينتهى به. لم تكن المدينة غريبة تماما، فقد كنت أعلم أن قلبى هناك ، لذلك بدأت أبحث عنه بين بيوتها وطرقاتها.
كان الطريق يمتد أمامى طويلا ، تتناثر على جانبيه البيوت ، ويغلق كل بيت بابه على حكاية. فبدأت أطرق الأبواب واحدا تلو الآخر، لعل قلبى يكون قد اختبأ خلف أحدها، أو لعل أحدا رآه عابرا ذات مساء ولم ينتبه إلى أنه قلبى.
ومع كل باب كنت أطرقه ، كنت أشعر بروحى تقترب منى أكثر. كانت تمشى إلى جوارى مرة، وتتعلق بى مرة أخرى، وكأنها تخشى أن أفقد في هذه الرحلة آخر ما تبقى مني.
كلما فتحت بابا ولم أجده، كان الطريق يزداد طولا، وكانت روحى تزداد خوفا.
ومع ذلك، لم أتوقف.
قلت لنفسى : ربما يسكن بيتا في آخر المدينة، وربما ترك البيوت واتخذ له كوخا صغيرا عند أطرافها، حيث لا تصل أصوات العاشقين ، وحيث يستطيع قلب هارب أن يعيش دون أن يسأله أحد عن سبب هروبه.
كنت أضع يدى على صدرى بين الحين والأخر ، أتحسس مكانه ، فأجد نبضا خافتا يطمئننى بأنه لا يزال هناك، وأن كل ما على هو أن أواصل السير حتى أصل إليه.
وحين طال بي الطريق ، بدأت أسأل العابرين.
كنت أوقفهم واحدا واحدا، وأصف لهم قلبى كما يصف الغريب وطنا فقد عنوانه: ملامحه، صمته، وحدته، والطريقة التي كان يسكن بها داخلى.
لكنهم كانوا يهزون رؤوسهم، ثم يواصلون طريقهم.
حتى وصلت إلى رجل عجوز يجلس عند حافة الطريق، فسألته عنه.
نظر إلي طويلا، ثم قال:
"يا بني، أنت تبحث عن قلب لم يدخل هذه المدينة أصلا."
ثم أردف قائلاً وكأننى لم أسمعه
يا بنى ،
"لم يطأ قلبك مدينة الحب يوما، ولم يكن من العاشقين."
وقعت كلماته في داخلي كحجر في بئر عميقة ، وظل صداها يتردد حتى لم أعد أسمع شيئا سواه.
التفت خلفى
كانت المدينة التي قطعت كل هذا الطريق بحثا فيها لا تزال كما هى ؛ أبوابها مغلقة، نوافذها صامتة، وطرقاتها ممتلئة بالعابرين الذين لم يعرفوا أنني كنت أبحث بينهم عن نفسى .
عندها أدركت أنني لم أكن أبحث عن قلبى في المدينة، بل كنت أبحث عن مدينة في قلبى .
فعدت أدراجي.
عدت من الطريق نفسه، لكنني لم أعد الرجل الذي دخل المدينة. كانت الأبواب التي طرقتها تبدو أبعد، والخطوات التي قطعتها أثقل، حتى إن الطريق نفسه بدا لي كأنه يرفض أن يعيدني إلى حيث بدأت.
ولم أملك هذه المرة سوى أن أترك روحي تحملني.
كانت تمشى بي ببطء، كأنها تعرف أننى لم أعد أملك قلبا يقودني ، ولا أملا يدلني على الطريق.
ومع كل خطوة كنت أبتعد بها عن مدينة الحب ، كنت أشعر أن شيئا في داخلي يدفن خلفي.
حتى وصلت إلى آخر الطريق.
هناك، لم ألتفت.
تركت المدينة وراء ظهري، وتركت أبوابها مغلقة، وطرقاتها خالية، والعابرين يمضون إلى حكاياتهم.
أما روحي، فظلت تحملنى وحدها
كأنها تحمل نعشا لا تعرف لمن يكون.
وكانت تمضى بي في سكون تنتظر معزين لا يعرفون من الذي مات:
أأنا الذي مات؟
أم قلبى الذي ظللت أبحث عنه طوال الرحلة ؟
