مقال
ليس النصر دائمًا أن ترى راية الحق مرفوعة، وأن تدخل الأرض فاتحًا، وأن ترى خصمك منكسرًا أمام عينيك؛ فالنصر في ميزان الإيمان أوسع من ذلك وأعمق.
إن الأمة التي تجاهد في سبيل الله حق جهاده، وتبذل وسعها في نصرة الحق، وتصبر على الطريق، لا تخسر ما دامت ثابتة على الحق، وإن تأخر الفتح.
قد يأتي النصر كما جاء يوم دخل أصحاب رسول الله ﷺ مكة، فترى ثمرة الصبر والتمكين، وتشرق شمس الفتح بعد طول عناء.
وقد يأتي النصر كما جاء لأصحاب الأخدود؛ فيُبتلى المؤمنون، ويُضحّون، ويُقتلون، لكنهم لا يرجعون عن إيمانهم، فيكون ثباتهم نصرًا، وتضحيتهم شهادة، ودماؤهم نورًا يحيي به الله قلوب أجيال من بعدهم.
فلسنا أمام طريقين: نصر أو هزيمة؛ بل أمام صورتين من صور النصر: نصر التمكين، ونصر الثبات.
فإن كُتب لنا أن نرى يوم الفتح، فذلك فضل من الله، وإن كُتب لنا أن نكون من أهل الثبات حتى آخر الطريق، فذلك أيضًا فضل ونصر.
المهم ألا ننكسر من الداخل، وألا نبيع الحق طلبًا للسلامة، وألا نظن أن تأخر الفرج دليل على ضياع الطريق.
فربّ دمعةٍ عند الله أعظم من انتصارٍ تراه العيون، وربّ شهيدٍ لم يرَ ثمرة تضحيته، لكنه كان سببًا في أن تبقى جذوة الحق مشتعلة بعده.
ولذلك، فليكن شعارنا: نحن نجاهد للقيام بالحق، لا لنشترط على الله صورة النصر.
فإن جاء النصر تمكينًا حمدنا الله، وإن جاء ثباتًا حتى آخر لحظة حمدنا الله؛ ففي الحالين نحن على وعد الله ما دمنا صادقين ثابتين.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
14 مشاهدة