
مقال 22 دقيقة للقراءة
"لغتنا الشعرية وتأثرها بفلسفات الحداثة وما بعدها"
ما زالت إشكالية لغة النص الشعري وتأثيرات تيارات ما بعد الحداثة أهم ما يطرح في موضوعات تحديات الشعرية العربية المعاصرة، وتحيط بمسائلها تحديداً «قصيدة النثر»
تحقيق قمت بطرحه على مجموعة من الشعراء والنقاد لاستبيان آرائهم فيما يتعلق بلغتنا الشعرية وتأثرها بفلسفات الحداثة وما بعدها، وهل صارت أكثر قدرة على التجريب وأكثر جرأة في طرح اقتراحات شعرية متجاوزة لتشكل هويتها الخاصة؟
نشر على #مجلة_البيان الكويتية 2024 -*- الكتابة عن دينامية "الحداثة"، المصطلح الإشكالي، دينامية الرصد للتجربة الشعرية العربية، بمضامين الشعر التقليدي القديم وأشكاله، بما يقابله في الجهة الأخرى من عالمنا العربي.. وكذلك التحليل للخطاب اللغوي في النص الشعري أو في تجربة الشاعر ذاته، الذي نحت من حرية التركيب اللغوي سِمة إيقاعية في بناء نصّي لا يوفر للشعر نغميته إلا بتلك الهُوية المتمردة، الحداثة التي نقضت سياج النمطية المعهودة في البيت الشعري الكلاسيكي. وهذا ما حاولنا البحث في هذا التحقيق الحصول على إجابات مختلفة أدلى بها شعراء ونقاد عرب ومصريين حول "التحولات المعنية بالشعر العربي"، التي تمثل مظهرًا من مظاهر الحداثة الشعرية، وما طرأ عليها من تغيير في عصرنا الحديث، على مستوى الشكل والمضمون/"ثنائية الدلالة والصياغة" كما عند د. عبدالسلام المسدي. وكيف كانت إشكالية "الهُويّة" في لغة تتورط بشكل أو بآخر في معطيات التّماس والتضاد والتماهي والتشظي، وتأثرها بالمنحى الحداثي وما بعد الحداثي. وهل يمكن اتهام الشعراء بأنهم جميعًا حداثيون "حداثة فكر"؟
أولًا سألنا الدكتور رحمن غركان، أستاذ النقد الأدبي والبلاغة، الذي اختلف مع طرح "تورط اللغة"؛ فقال بأن: اللغة الشعرية - بمعناها الفني الخالص - لا تتورط في الحداثة لأن بعضها ماء الحداثة الدائم الجريان، والقول بتورطها اتهام بالسكون ومن ثم الفساد، وهذا شك يرتفع عليه الشعر بمعناه الإبداعي الخالص، ولا أعني هنا إلا الهائل الحقيقي الجديد الذي يضيف لحياة الناس التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق جديدًا دائمًا. وأضاف: ولأن الشعر حاسة لغوية هائلة ذات مجساتٍ، لها أول في الشعور ، وليس لها آخر ؛ فهي تتخلّق في الناس حتى آخر لسان شعر، لذا فالمعنى الشعري الذي يتخلق فيه إنسان الشعر، هو ما يكون تلك الحاسة اللغوية الهائلة، وهي تقدم في ذلك حياة الرؤيا أكثر مما ترتب أبعاد الرؤية لانشغالها بالإضافة أكثر من مجرد الاستعادة، بما تجعل المتلقي في "جغرافيا" عالم مختلف، تضيف للحياة جديد رؤية، ولا تستنسخ الأشياء أو تكرر وظائف الحواس التقليدية. في السياق ذاته، أشار الشاعر المصري أشرف قاسم، بأن: الشعرية الحقيقية في جوهرها تتبنى موقفًا واضحًا من الحياة بشكل عام، من خلال توظيف اللغة بما يتواءم مع معطيات الحياة العصرية، دون التورط في الغموض والإلغاز. وأكد على أنه لا يستطيع الشاعر أن يواكب تلك المعطيات إن لم يكن مُلمًّا بمراحل تطور الشعرية العربية، دون الوقوف عند هذا التراث للنظر إليه كأنه جثّة محنطة ينبغي عليه تقديسها. ولعل هذا لا يتأتى إلا من خلال التجديد في الرؤى والأفكار واللغة التي يعبر من خلالها الشاعر عن رؤيته بمحمولاتها ومدلولاتها الجمالية. وبسؤاله عن الحداثة في مدلولات ذاك التجديد؟ أجاب مشيرًا إلى أنها لا تعني الانسلاخ من ربقة الشكل القديم للنص الشعري وحسب، بل هي في جوهرها رصد لتفاصيل الحياة المختلفة بشكل جديد، مغاير للسائد، وهذا ما يميز أصحاب التجارب الشعرية الكبيرة كـ"محمود درويش" و"نزار قباني" و"سركون بولص" وغيرهم.
بينما استحضر من ذاكرته الروائي عبدالعليم حريص، عضو هيئة تحرير مجلة الشارقة الثقافية ما قاله الشاعر البحريني الكبير "قاسم حداد"، في إحدى أمسيات "دار تكوين" الثقافية أن: "مِن مشكلات الحداثة التي وقعنا بفخّها مبكرًا فكرة القطيعة مع التراث، فحُرم جيل من الاتصال بماضيه، وهذه مأساة شوهت كثيراً من التجارب وحرمتها من اكتشاف كنوز التراث العربي".
ومن ناحيته، الشاعر والمترجم رائد أنيس الجشي، أكد على وجود ورطة ما للّغة الشعرية، بدليل التعاطي مع كل التجاذبات والاختلافات الفكرية والنزاعات بين الحداثة وما بعد الحداثة وما بعد بعد الحداثة، إضافةً إلى الأثر التقليدي المتطرف كونها الأداة الوحيدة التي يستخدمها الشعراء ويعبرون بجمالياتها بين رماحٍ وسيوفٍ ورشاشات الأفكار المقدسة للقديم والتي تُعامل النّص وصُوره في اللاوعي معاملةَ تحقيق حديثٍ نبوي؛ فتهتم بمطابقته للشكل والمعنى مع إغفال دراسة القواعد اللغوية التي استوعبت المفردات والأفكار المتغيرة منذ بداية استخدامها وتجتاز الآراء الانقلابية لما بعد الحداثة أو ما بعد بعدها والتي تغفل ذات القواعد المهمة لخلق قواعد جديدة كما هو في كل الفنون الحديثة. ولأن الشاعر، بطبيعة الحال، متورط مع لغته، فهو يضيف لها رؤيته وفكره ومشاعره وتجربته الخاصة ويكتب ذاته التي تعتبر مثالًا للإنسان الآخر وتجليًّا لعصره أو يختبئ بينهما في لغته مستغلًا هذا التورط الأبدي الحميد.
وبسؤال الدكتور محمود الضبع أستاذ النقد الأدبي، هل يمكن القول بأن النص الشعري لم يعد بقادر على الانفلات من هيمنة التورط مع الحداثة بشكل أو بآخر.. فأشار إلى أن تسارع إيقاع العالم في السنوات الأخيرة، انتقلت الحياة سريعًا من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، مرورًا بالتفكيك، وصولًا إلى حالة السيولة التي نشهدها من حولنا متمثلة في الإعلاء من شأن الفرد والفردانية والتحرر الفردي على حساب كلّ انتماء إلى جماعة أو مجموع سواء كانت جماعة فكرية أو أدبية، أم كانت صيغة من الصيغ التقليدية المتوارثة (الأسرة، المجتمع، العرق، النوع...إلخ). ومفردات هذا التفكيك وهذه السيولة، وكونها ارتبطت بهيمنة التكنولوجيا ومعطياتها وما أحدثته من تدخل في كل أشكال وممارسات الإنسان وطرق تفكيره، إلى الدرجة التي يصعب فيها اليوم الفصل بين ما يفعله الإنسان من صميم نفسه، وما يفعله بتأثير خفي لتطبيقات التكنولوجيا. وهنا غدا البحث عن محاولة لربط "لغة النص الشعري" بمفردات الهوية، أمرًا لا يقدر عليه إلا الشاعر المبدع صاحب الوعي الفكري والثقافي قبل أن يكون متمكنًا من أدواته الشعرية، وهؤلاء قليل في حقيقة الأمر، وبخاصة مع تلك التجارب التي وقعت في خديعة "الإيقاعات الموسيقية الرنانة"، المفردات ذات الجرس الموسيقى على حساب المعنى والمضمون.
يأتي في نفس السياق ما قاله الشاعر العراقي عبدالعظيم فنجان، باعتقاده أن الشعر هو تناغم خلّاق بين اللغة والتجربة، وبهذا أنا ضد تغريب اللغة.. فالخطاب الشعري لابد من أن يكون مفهومًا يملك اتساقًا بلاغيًا غير مكروب أو مكروه.. ما معنى تشظّي اللغة وكتابة ألغاز لا ضرورة منها بالأساس في اللغة الشعرية؟! في الوقت نفسه لا أعتقد أن الحداثة ضد المعنى، ولم لا نقول أنها تؤكده، تبعثه، وتستطيع تجديده أيضًا. وعن نفسه يقول: أنه يكتب قصيدةَ معنًى ومبنى.. قوامهما متماسك الرؤى والأفكار: هامشها ومتنها. ويؤكد أنه لا يوجد تنظير في الشعر، فإنه سمة العاطلين عن كتابته.. قد يصدمك هذا، لكنه حقيقي بالنسبة لي."
وعن طبيعة اللغة لهذا اللون من الإبداع الأدبي في "الشعر الجديد" كما أسماه الكاتب والباحث إبراهيم أردش، ينوّه إلى أن القارئ يدرك أن –تلك اللغة- قائمة على مجاوزة المألوف والانحراف والعدول وتمتاح من جماليات التشظي والتضاد والميل تجاه التجريب نحو أشكال متجددة وغير مستقرة بما تقتضيه مرحلة ما بعد الحداثة؛ فهذا الشعر يحتاج إلى قارئ نوعي مدرك لتقنيات الكتابة وآلياتها واعيًا بالطبيعة الانفتاحية للنص الجديد القائمة على تشعب التقنيات وتنوع الدلالات، وفي الوقت نفسه لا تقع المسؤولية جميعها على القارئ خاصة في ظل تعالي بعض الشعراء بنصوصهم على جماهير القراء من خلال إنتاج نص أسميه شعر "اللامعنى" المتجرد من القضية والغرض، وهذا لا يعني رداءته، بل يتكئ على الجودة الفنية في الأساس من خلال تراكم صور مبهرة وتراكيب بديعة لا تصل بالقارئ إلى المضمون، إضافة إلى إيقاع لا دلالة له. وهذا لا يعني أنني أنادى بوضوح الشعر أو أن يحمل موضوعات واضحة بالضرورة، أو أن الغموض مرفوض كله، ما قد يوقعنا في فخ الخطابية والمباشرة والتي تبتعد بالإبداع عن طبيعته الخاصة المتجاوزة، بل أنادي بأن يترك الشاعر في الغموض فسحة يصل القارئ من خلالها إلى فضّ أفكار الدلالات والوصول إلى قصدية الشاعر، مع سعي الشاعر إلى الابتكار الدائم في بنية لغة الشعر في آن واحد.
ونأتي على ذكر إشكالية الحداثة، فسألنا الشاعر والمستشار الثقافي د. عارف الساعدي، وأجاب بأنه لا يعتقد أن مفهومًا ملتبسًا لم تحل إشكالياته كمفهوم الحداثة، وما أن حاولنا فهم هذه الإشكالية حتى وقعنا بمفهوم ما بعد الحداثة، ولا غرض لنا نحن الشعراء إلا اللهاث وراء النقاد "الحداثويين" نكتب لنرضي ذائقتهم ولكنهم بالنتيجة في معظمهم لم يعرفوا ولم يتبينوا الأرض التي يقفون فوقها، ولهذا فإن معظم الشعراء حاولوا اللحاق بهذا الوعي الذي يحدد بوصلة الشعراء وحداثتهم الشعرية من غيرها. واحدة من تلك البوصلات هي اللغة الشعرية، والتي بمثابة العتبة الأساسية لأي شاعر مهما كان معاصرًا أو قديمًا، بدون لغة خاصة للشاعر يرتكن إليها وتمهر باسمه مفردات وتراكيب وجملًا خاصة، فلا قيمة شعرية للشاعر دونها. وهل اللغة الشعرية ترتبط بالحداثة فقط، أو إنها وجه أساسي من وجوه الحداثة؟ فأشار إلى أن للحداثة وجوهًا متعددة واحدة منها اللغة الشعرية، ولكن السؤال الضروري إدراكه هو: ماذا تريد الحداثة من اللغة الشعرية؟ وكيف للشاعر أن يكون "حداثويًا" من خلال لغته؟ وأجيبك، بأن لدينا أمثلة عدة على ذلك؛ فقبل مئة عام كتب "الزهاوي" قصائد عديدة وأدخل مفردات معاصرة في وقتها كالقطار والكواكب والطائرة وكل ما هو جديد في عصرهم زعمًا منه أن استعمال هذه المفردات يمنح القصيدة مفتاح الدخول للحداثة، ولكن في النتيجة لم تنتج هذه اللغة شعرًا حقيقيًا إنما هو ركام لغوي لا قيمة فنية له؛ فالشاعر الذي يخطط للغته أن تكون معاصرة ومواكبة لكل جديد للحاق بالحداثة وركبها لن يحقق شيئًا؛ لأن اللغة هوية تنبثق مع الروح وتنمو مع شاعرها كلما نمت ثقافته وتعددت منابعها التي ينهل منها.
وعن وجود شاعر يملك التحديات الإبداعية الثلاث، من: تجديد لغة النص، تجديد البناء الهندسي للنص، وتجديد الوعاء البلاغي للنص، سألنا الشاعر حسن شهاب الدين، فقال بأن الشاعر مسكون ولا شكّ باللغة كهاجس لا ينفك عنه سواء أكان في حالة إبداع أو حالة ترقب. ذلك الإبداع أن اللغة بشكل أو بآخر هي مدار عملية الخلق الفنّي، وهي إما أن تكون جسرًا يعبر عليه القارئ أو تكون جدارًا يقف حائلًا بين إبداعه وبين القارئ. وأضاف: بأن اللغة العربية هي أكثر اللغات إشكالية في المنظور الحداثي؛ لأنها لغة ذات إرثْ عظيم وكتاب إلهي مقدس هو القرآن الكريم لذا ينظر إليها البعض على أنها عاجزة عن تحمل منجزات الحداثة وأنها غير قابلة للتطور، ولكنني ومن خلال تجربتي الخاصة أرى أن اللغة العربية قادرة على إنجاز نص حداثي فارق؛ لأن الحداثة خلق متجدد وإعادة بناء للعالم من منظور جديد ورؤية جديدة لتفاصيل الحياة وأحداثها وهذا كله تملك أدواته اللغة العربية وتستطيع تكوينه وتشكيله وبعثه، وأرى أن المحك الأساسي وربما الوحيد هو قدرة الشاعر/المبدع على التعامل مع اللغة ككائن حيّ قابل للتطور والإنتاج والتفاعل.
أما عن دور اللغة في كونها وسيلة توصيل إلى أدوار جمالية وبنيوية، سألنا الشاعر والإعلامي ياسر الأطرش، فأجاب بأنها غدت مضمونًا أو محتوىً قائمًا بذاته في النص الحديث؛ فالكلمة تعددت دلالاتها بنفسها مع الإزاحات المعنوية التي لحقت بها عبر التطور الدلالي، فضلًا عن تعددية المعنى والدلالة من خلال الاشتغال على السياقات اللغوية التي عُني بها الشاعر المعاصر. مضيفًا: في اعتقادي أن عصر المفهوم القديم للكلمة وأدوار اللغة قد انتهى، فلم يعد لدينا اليوم لفظة شعرية وأخرى غير شعرية، كما أن الاقتراض من اللغات الأخرى واللهجات المحكية أصبح أكثر شيوعًا ومقبولية مع انفتاح النص الشعري على آفاق أكثر حداثة، وتفهم النظريات النقدية الجديدة لتعدد طبقات المتلقين وانفتاحهم الثقافي ضمن اللغة الواحدة وعلى اللغات الأخرى. يبقى أن أؤكد على أنَّ الانسلاخ عن الأصول اللغوية بحجة الثورة على التقاليد ليس تجديدًا بقدر ما هو اغتراب ثقافي أو انفتاح غير متكافئ على لغات الثقافات الغالبة، وقد أثبتت العربية أنها قابلة وقادرة على التعبير عن نفسها بحداثة تنبع من داخلها مع الاحتمالات اللانهائية التي تنطوي عليها للانزياح وقبول تصريف كل جديد.
وبالعودة للسؤال عمّا إذا كان الشاعر العربي المعاصر متهم بتقليد الحداثة الغربية وشعرائها، سألنا د. حنان الشرنوبي، فقالت: من الممكن صياغة السؤال على نحوٍ مختلف، فيكون: هل عكف شعراؤنا على البحث عن حضور جديد عبر الغرب؟ وأقول لك: في رأيي أن التجديد لا يلغي هُويتنا ولا يخرج عن التقاليد الثقافية بل هو امتداد طبيعي متجدد؛ فكما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش في تعريفه للهُوية بأنها "ما نوَرِّث لا ما نَرِث" وتعتبر هذه العبارة دعوة صريحة للابتكار والتجديد بما يحفظ تقاليد عروبتنا وأساليبنا وتصوراتنا الذاتية. أما عن دراسة أسلوب الشعر الحديث من حيث البناء والتكوين فهي التي أدت إلى التعمق بعالم النص برصد ظواهره الكلّية التي سيطرت -بوعي أو بدون وعي-على شعراء الحداثة فانعكست على تشكيلاتهم اللغوية مما أكسبهم خصوصية لا تتجاوزهم لغيرهم؛ وبهذا يمثل شعر الحداثة مرحلة تطور يمر بها شعرنا العربي وإضافة إلى المعجم اللغوي بما فيها من مفردات ملتحمة بالحداثة، على أن يحضر معنى "الشعرية" في أشكاله كما في "العمودي ،التفعيلة، وقصيدة النثر " وهذا هو المعنى الذي يحلّق نحو دربه ووجهته مُنشدًا صوته المتفرد في مجتمع واعٍ لروحِ الشعر.
وبسؤالنا عن تأثر الشعر بمعطيات التجريب في زمن الحداثة، أجاب الشاعر والمترجم محمد زين العابدين: ما من شك في أن الشعر الحديث، تأثر كثيرًا بالإيجاب وبالسلب بمعطيات التجريب في زمن الحداثة وما بعدها؛ فتخفّف النص الشعري كثيرًا من قيود المعاجم الشعرية التقليدية، واللغة النمطية، والمجاز المستهلك إلى آفاقٍ أرحب، أصبح الشاعر فيها قادرًا على ابتكار معجمه الشعري الخاص، وتفجير الطاقات الكامنة في اللغة. وفي أشد موجات ما بعد الحداثة، ظهر في الغرب النص الشعري الرقمي التفاعلي(الهايبر تكست-Hypertext-)متأثرًا بثورة الإنترنت، وغيره من التجارب التي سعت لتغيير مفهوم ارتباط القصيدة باللغة والوزن والإيقاع؛ إلى "المشهدية" و"العرض السينوجرافي"، و"لغة الإشارات الإلكترونية" و"الأيقونات البرامجية". كما أن تأثر الكثير من الشعراء بمصطلحات الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، وإشارات "الإيموجي"؛ أدى إلى توظيفها في نصوصهم. كذلك توظيف عدة عناصر "إثرائية" للنصوص في عرضها ودلالاتها، سواء الرسومات، أو الصور الفوتوغرافية أو الرسوم المتحركة، والمؤثرات السمعية والبصرية، والروابط التشعبية بين فقرات النص. وأفادت، كذلك، في ظهور أشكال شعرية جديدة، مثل "القصيدة الرقمية"، و"القصيدة الرقمية التفاعلية"، و"قصيدة الومضة" وغيرها. وبسؤاله عن رؤيته لانفتاح الشعر على التجريب؛ فأشار إلى أنه لا بأس من انفتاح الشعر على كل الآفاق واكتشاف مناطق جديدة؛ لكن بشرط ألا يؤدي هذا الاندفاع غير المحسوب إلى تفريغ الشعر من مضمونه وهويته وتأثيره، وتحوله إلى مسخ عديم التأثير، يفتقد إلى أهم ميزات الشعر وهي التكثيف، والبعد عن السردية.
ومعقبًا في نفس الاطار، أكّد الكاتب والمترجم نبيل موميد، على أن لغة النصّ الشعري المعاصر، متأثرة، بلا محالة، بالحداثة الغربية وبمختلف المنعطفات التي مرت منها. ونرى ذلك التأثر في: غموض العلاقات اللغوية المشكلة للعبارة الشعرية. و من أهم عوامله هو تعقد النفس البشرية وإحساس الذات المبدعة بضيق العبارة عن التعبير عن الذات وتحوراتها. من هذا المنطلق، تنبني لغة الشعر الحداثي على الرمز والإيحاء والإشارة، والتلميح بالبعيد عن القريب، وليس على الإيحاء والتصريح. ولعل هذا كان من بين أهم بنود المشروع السوريالي، الذي كان يروم تفجير اللغة في أفق إيجاد لغة إبداعية جديدة تفوح برائحة الحداثة وأبعادها. يقول "أدونيس" في قصيدته "رؤيا: "ألمح جدرانًا من الحرير ونجمةً قتيلةً تسبحُ في قارورةٍ خضراء"؛ فثمة حفر في مجاهل النفس البشرية، ورغبة في القبض على انفلات الواقع. يضاف إلى هذا الغموض الاحتفاء بالتشظي والشطحات الذهنية التي قد تجعل القارئ، غير الخبير، يقع في دوامة الإبهام.
وهنا يأخذنا سؤال القاص والناقد د. محمد سمير عبدالسلام، عن قصيدة النثر، وإشكالية توجّهها وتموضعها ما بين الحداثة وبين ما بعدها؛ فقال: أنها ارتكزت في توجهها الحداثي على المزج بين السرد الشعري، واللغة التصويرية التي قد تستخدم التسلسل المقالي في اتجاه رمزي واستعاري، وعززت بدرجة كبيرة من استبطان الذات؛ وخصوصية الذات وفق مستويات الوعي واللاوعي؛ ونمثل لهذا التوجه الحداثي بقصيدة "اليوم لي لغتي" لأدونيس؛ وتعمّق التوجهات التصويرية والسريالية من تطور الخطاب الحداثي عبر التداعيات الحرة، واستخدام صور اللاوعي المقطعة ضمن نتاج "إليوت"، و"أندريه بريتون"، و"هنري ميشو" وغيرهم؛ أما التوجه ما بعد الحداثي فقد قام على قبول التناقض الإبداعي، وتعددية المركز الدلالي، أو انتشار الدوال فيما وراء الإطار أو البنية، وقبول التداخل بين الفن والواقع، والخطاب الهامشي، والمحاكاة الساخرة مثلما في التوجهات النظرية عند "إيهاب حسن"، و"ليوتار"، و"ليندا هاتشون"، و"جياني فاتيمو" وغيرهم؛ ونجد بعض هذه الملامح لدي أجيال السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات؛ ونلاحظ استخدام كل من "أسامة الدناصوري"، و"زهرة يسري"، و"إيمان مرسال"، و"علاء خالد" مثلًا لجماليات الارتكاز على الأشياء الصغيرة والإحالات إلى الفوتوغرافيا، والسينما ضمن سياق يومي دينامي متغير وحاليًا تواكب قصيدة النثر المؤشرات السياقية الثقافية الجديدة نحو التأمل، والأشكال الطليعية الجديدة من الاستبطان.
وعن إخضاع شعر الحداثة، على مستوى التاريخ والموضوع والقضية والفن، لمفهوم الهوية، سألنا الشاعر البحريني جعفر المدحوب، فأكد على أننا إزاء مفهوم ملتبس وإشكالي إلى أبعد حدّ، فالهوية تبدأ بتحديد الذات، والذات لا يمكن تعريفها إلا من خلال علاقتها بالآخر، وبالتالي هل الهوية الشعرية تتمثل في طبيعة المغايرة الثقافية واللغوية؟ مضيفًا أن الثقافة العربية قد تشكلت عبر شبكة احتكاكات وتناصّات معقدة مع الثقافات المحيطة، وعملت على إثراء ذاتها وإعادة تشكيل هويتها عبر هذا التناغم الحضاري الغني، وهذا انعكس على حركية اللغة والشعر والثقافة والمعارف الفلسفية والكلامية وغيرها، فالهوية ليست مفهومًا ناجزًا ومنغلقًا ونهائيًا، بل هي بطبيعتها مفهوم دينامي متجدد. وانطلاقًا من هذا التصور، سألناه، ماذا عن اشتباكات اللغة بمعطيات الحداثة؛ فأجاب بأن ذاك الاشتباك قد وضع الشعرية العربية المعاصرة أمام تحدٍّ جديد، لكنه أسهم في خروجها من شرنقة الجمود الأدبي، وأعاد تخليق لغتها، وأشرع أمام مبدعيها نوافذ تعبيرية خصبة ومديات أسلوبية واسعة، وعلينا ألا ننسى أن أفق ما بعد الحداثة يعترف بالهويات الفرعية ويحتفي بثقافات الهامش.
وسألنا الشعر والكاتب مؤمن سمير، عن هوية اللغة الشعرية، فقال بأن لكل مشروع شعري توجُّه أو شفرة أو نسيج خاص، هذا الوعي الذي يصنع نتاجًا بعينه، له مبنى وعلاقات وتراكيب ومجازات واشتقاقات وألعاب لغوية بالذات، ومعنى إنساني كبير يسعى لأن يشتبك معه بالسؤال أو الاندماج أو الرفض.. الخ. وجماع هذا كله هو الهوية الشعرية التي تدخل في تغذيتها الثقافة والجغرافيا وأحداث السيرة الذاتية ومدى قدرة الخيال على الخلق وحدود اتساع الرؤية وانفتاح البصيرة.. وشئنا أو أبينا يحدث التأثير والتأثر بين الهويات الفنية المختلفة ويجري التلاقح اللغوي والشعري بين التجارب والمشاريع حيث لم يعد المكان ولا الزمان عائقاً معتبرًا بعد ثورة الاتصالات والقفزات التقنية والتكنولوجية التي تلهث حولنا.. وأظن أن تأثراتنا كشرق بالغرب، كان يصنعه الاستعمار الوطني الصريح لبلادنا حيث تملأ ثقافة المستعمر الآفاق وتنسرب إلى الوعي سواء ببطءٍ أو بغلظة.. أما الآن فنستطيع بمعنى ما، أن نتعامل مع كوكب واحد يجمعنا ويتجه كل لحظة إلى أن يصير بلا حواجز تقليدية تمنع الاجتماع البشري وبالأحرى اجتماع الثقافات والالتقاء بالتجارب الأحدث والقبض على التنوع المعرفي والجمالي الفني وتعاطيه.. ولكن، هل تأثرت لغتنا الشعرية الشرقية بفلسفات الحداثة وما بعدها، وهل صارت أكثر قدرة على التجريب وأكثر جرأة في طرح اقتراحات شعرية متجاوزة؟ فأجاب مؤكدًا: بالطبع! وصارت موجاتنا ودوراتنا الطليعية محل قبول ونظر ودراسة من حيث الإضافات الفنية أو الولوج لمنتج الأجيال التي كانت تعي فرض الإضافة على منجز السابقين وتجاوز الآباء طول الوقت.. وفي إطار التلاقح الانساني، الفكري والفني، والتماهي والسعي للتضاد وما سوى ذلك من أطر العلاقات، فإن الآخر الغربي تأثر ويتأثر هو الآخر بتجاربنا ولغتنا الشعرية وخصوصيتها وتفردها.
وبسؤالنا الكاتب والناقد محمد عطية عن إشكالية لغة النص الشعري وتيارات ما بعد الحداثة، فأجاب بأنها –المابعد الحداثة- قد فرضت قيمًا فردية، تعتمد على لغة متأثرة بهذا المدّ، تعبّر عن الهُويّة الفردية/ الحالة النفسية التي ارتدّت بها إلى مرحلة ما قبل الحداثة برومانسيتها واتجاهها للداخل، ومن ثمّ إعادة إنتاج الحالة الغنائية التي تتعاطى الذات سواء في تجذرها/ نرجسيتها كمحور للكون، وهو النموذج الأقرب للشعر الذاتي الذي يحتفي بإعادة إنتاج الذات من جديد والتمحور حولها، وهو الاتجاه ذاته المسيطر على تجارب سردية باتت تتهجى حالة الغنائية والفردية، حتى على مستوى الرواية انطلاقًا من فردية النص القصصي كصوت منفرد، لتكون سمة ذاك الصوت المنفرد سمة مائزة من سمات المواكبة والعصرنة، تلك التي تحولت فيها الذوات الساردة شعرًا/ نثرًا إلى دوالّ على الهامشية والتمرد، وإمعانًا في التقوقع داخل الذات، وأكثر نشدانًا وقناعة لحقيقة ذاتية تخصّها، خصوصًا وقد تحولت مسألة الهوية إلى مسألة نسبية دورانًا في فلك عالم افتراضي لا يعترف إلا بقدرات شخصية بعيدًا عن هُويّة اجتماعية متشظية بفعل فاعل.
وأما ما يخص منهجية النقد الأدبي في المشهد الأدبي والثقافي العام العربي، سألنا الناقدة والأكاديمية موج يوسف؛ فكانت رؤيتها ترصد حالة الضعف التي اعترت الأدب العربي، بما في ذلك قياس قدرة اللغة على تجديد حيوتها وحركتها؛ ليعْبر النّصُ خارج الزمن ويُعبّر عن زمنه، فلو دقّقنا بما يُكتب بعصرنا سنلحظ تصلب دم اللغة، وصاحبها الذي لا يستطيع الخروج عن أناه؛ إلا بعض الكتابات التي استطاعت الصمود أمام موجة الاستهلاك والتسليع. ففي عصرنا الحديث نجد أن المقياس النقدي للإبداع لا يحدده المنهج وإنما أدب مبدع ما؛ فمثلًا قياس النقد على الرواية العربية يُحدّد بكتّاب معينين كـ"نجيب محفوظ" و"الطيب صالح" و"فؤاد التكرلي" ليس لأنهم روادها عربيًا، بل لأنهم رسّخوا أسماءهم كمبدعين فيها. وأجابت عن سؤالنا: هل يعد النقد المنهجي أزمة للإبداع؟، بأنه أحد أسباب أزمة الإبداع؛ لأنّه لم يفحص النص الأدبي من كل جوانبه بل وقف عند جانب معين وأهمل الآخر، فإننا بحاجة إلى نقد يمكن أن أسميّه بـ"النقد الشمولي" الذي يحيط بالنص ويتابع كل تحولات المشهد والنفاذ إلى جوهر النص، ويخفف من حماسته أو انفعاله، فالناقد ليس قاضيًا وإنما مبدعًا يمنح الكتابة أملًا جديدًا. و مع التطورات المتعددة لم تسمح للأدب أن يكون مسؤولًا عن نمو الذائقة بل هذه الأخيرة صارت تنمو وتشب من إيقاع صاخب أو مشهد يشوّه أبعاد الحياة، ولا أريد أن أكون متشائمة لكنه واقعنا، وهنا تأتي مهمة النص الأدبي أو المسرحي وحتى السينمائي لتنصع ذائقة جديدة، تجعل من ذات الفرد تغوص في العمق لكنها لا تنسى العالم وتدربه على التنقيب في الحياة وتجعله يقاوم إغراء الإيقاع الصاخب.
وإذا ما سألت عن اللّغة وإحداثيتها في النص الشعري، يجيبنا الشاعر والروائي هوشنك أوسي؛ أنها بلا شك قد طوّرت نفسها بنفسها، وذلك تبعًا لمتطلّبات زمنها. فإذا ما تتبّعت سير المدوّنة اللّغويّة العربيّة، شعرًا ونثرًا، في فترة ما قبل الإسلام، وما بعدهُ، مرورًا بالخلافة الرّاشدة، الأمويّة، العبّاسيّة، وصولًا ليومنا هذا، ستلاحظ كيف تكيّفت اللّغة العربيّة مع ظروف ومقتضيات أزمنتها. هذه شريعة ومنطق تطوّر كلّ اللغات. الذي يكتبُ قصيدةً الآن قصيدةً في إنكلترا، لن يكون كما كتبها "شكسبير"، والذي يكتب قصيدةً الآن باللّغة العربيّة، لن تكون كما كتبها "امرؤ القيس"، أو "زهير ابن أبي سلمى"، أو "المتنبّي"، أو "الجواهري"... الخ. بالتالي، سيأتي اليوم الذي تتجاوزُ فيه اللّغة الشّعريّة، عربيًّا، ما كتبه "محمود درويش"، "أدونيس"، "سليم بركات"، "محمد الماغوط"، أو "السيّاب". مقصدي مما سلّف؛ الأمرُ ليس تورّطًا إشكاليًا، بل تطوّرًا طبيعيًّا، تُمليه ضرورات الحياة. ومثلما "لكلِّ زمنٍ دولةٌ ورجال" كذلك، لكلِّ زمنٍ لغةٌ وشعراء. لا يعني ذلك أنّني أحصرُ الحداثة الشّعريّة في اللّغة وحسب، بل في ابتكار أشكال وطرائق بناء النصّ الشّعري، معطوفًا عليها؛ مستويات تجدّد اللّغة ورشاقة التّراكيب الشّعريّة، ومدى انسجامها مع إيقاع الحياة.
وكما جاء على لسان فاضل ثامر حول جدل شعر الحداثة في الشعر والأشكال الشعرية الجديدة، أنها "إشكالية مُعقدة لا من حيث علاقته بالغرب وحسب، بل من حيث تأريخه الخاص أيضًا" ذهبنا لسؤال الشاعر والناقد محيي الدين جرمة، عن رؤيته لتلك الإشكالية؛ فأشار إلى ما إذا كانت هناك إشكالية ما فتكمن في التباس العلاقة بين البرّاني الذي لا ينظر له سوى كـ"أدلوجات" أو تصورات مسبقة بالنسبة لفضاء وأحياز المنظور والتمرد الفني للنص الأحدث، أو المُواكِب، لكن بحذر لا ينافسه في ذلك سوى حدْس الغراب. فكل لحظة شعرية يعيشها الشاعر في جوانيته تخلق حالةً من الانتشاء والقصد الشعري في ضخ صوره، وانحيازاه إلى معنى مختلف، أو معرفة جديدة في الشعر إن جاز القول. وفي القصيدة تجوز أشياء عدة، لا تجوز في التزامات وصرامات أجناس أخرى، قد يسائر الشاعر في تتبع تطورات بنائية وشكلانية إبان لحظة الكتابة ومعيوشاتها، و طقسها الخاص واللذيذ والمأساوي أحايين، لكن تبقى الاصطلاحات خارج اعتداد الشعر أو حاجته لمرجعية ما، محض فراغ سلبي. وستظل اللغة كهوية شعرية داخل القصيدة لمن أراد بصمة اختلاف لا تشابهًا؛ فاللغة تنويع وانزياح دلالي ولفظي، لكنه حين يأتي على سبيل المفارق والكثيف، والتغاير الحذر يجاوز الغثاثة، لا يكون صدًى بغبغائيًا لنصوص وأعمار ديناصورية سبقته. وأضاف: الشعر بصمة، وإن كانت للنص الشعري أو بدا عبر امتداداته كنص واحد مرقون في مخيلة وشعرية الجهات والقارات، إلا أن الشعر يبقى متآلفًا، ومتخالفًا في أحوال، وكئيبًا ومُنتجًا قميئًا في أحايين كثيرة حين تطوعه رغبة الكتبة لمجرد الظهور كظاهرة اجتماعية يرفع لافتة في مظاهرة وتجده الأخير يرزح على استحياء ضمن الصفوف، دون اجتيازها إلى الفكرة الأولى أو الأخيرة المنبثقة عن سياقات نشيد شعري وملحمي، كما بقيت طراوة القصيدة عبر تاريخ الخيال في الشعر الإنساني، من "سافو" و"يوريبيديس"، حتى أصغر شاعر حداثي يتظاهر اليوم ضمن موجة "شعراء التواصل" لعل يُوجد لنفسه مكانًا في اللامكان!
ويضيف الشاعر والصحافي البهاء حسين: مؤكد أن اللغة نقطة التقاء الشاعر بهويته؛ فهي صوته الذي لا يتبع أبدًا صدى الآخرين. اللغة هي نقطة الدم التي نعرف منها حالة القصيدة وصاحبها. عن نفسى أنأى بلغتي عن الزخرف الكاذب، ولا أتخذ اللغة غايةً بحد ذاتها، غير أني لا أهملها، بحيث تكون مجرد جسر لنقل المعنى فحسب. إنني أرسم المعمار أولاً في رأسي، ثم أبحث له عن قالب موسيقى يستجيب لأغراضي، ويقدمها بعيدًا عن الابتذال والخفة، قالب خاص يعمل كالموسيقى التصويرية، ثم أقول ما أريد بلغة لا تدرك في لمحة عين وإن كانت بسيطة، لغة تحفظ المادة الفعالة للقصيدة أو هويتها، لغة تقول المعاناة، دون أن تتورط فى النهنهة العاطفية؛ فكل مفردة فيها لا بديل لها دقّةً وانضباطًا لا يكبح الخيال، لغة حمّالة أوجه تفتح الباب للتأويل وتعيش على الزمن.
وبسؤال الروائي أحمد جاد الكريم، عن إشكالية القصيدة، فأجاب أنها تتجاوز مسألة اللغة، وتتخطى مثلًا على مستوى قصيدة النثر الشروط التي وضعتها "سوزان برنار" عند حديثها في منتصف القرن المنصرم عن هذا النوع الحديث. وأضاف، أين إذن تكمن المشكلة؟ من وجهة نظري أنها تكمن في لا محدودية النص الشعري وانفتاحه على أنواع مختلفة، وهو الذي يوقع بعض الشعراء في شراك تلك الأنواع، فنجد نصًّا شعريًّا يشتبك مع "القصة الومضة" أو يهبط فيشبه الحكمة والمثل، وهذه أحطّ منزلة يمكن للشعر أن يتقهقر لها. بالنسبة لي أحب أن يخرج الشاعر على أي شروط، لأن الأدب إذا كان مُقيدًا بقواعد صارمة سيصير مغلولًا ولن يتطور وسيدور في فلك التكرار، وهو ما تعانيه القصيدة حاليا. اللغة أيضا ليست أداة تشكيل للنص الشعري، اللغة لها جمالياتها التي يمكنها أن تؤجج بقية جماليات النص الشعري، ويمكن أن تطمسها.
