عندما تتحول الزوجة من شريكة حياة إلى خادمة في نظر الزوج
بقلمي... عون البحيصي
من المؤلم أن تدخل المرأة بيت زوجها وهي تحمل في قلبها حلما جميلا عن الحياة المشتركة، ثم تمر السنوات فتكتشف أنها لم تعد في نظر زوجها شريكة حياة، وإنما أصبحت في نظره مجرد شخص يؤدي واجباته اليومية دون أن يسأل نفسه يوما: ماذا تحتاج هذه المرأة التي تشاركني العمر؟
الزواج لم يكن عقدا لتوزيع الأوامر والواجبات، ولم تكن الزوجة حين قالت "نعم" قد وافقت على أن تتحول إلى خادمة داخل بيتها.
الزوجة شريكة.
شريكة في الفرح والتعب، في المسؤولية والقرار، في بناء الأسرة وتربية الأبناء، وفي مواجهة ظروف الحياة بحلوها ومرها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يختصر بعض الأزواج معنى الزواج في أن الزوج يعمل وينفق، والزوجة تطبخ وتنظف وتربي الأبناء وتخدم الجميع.
وكأن ما تفعله المرأة داخل البيت ليس عملا.
وكأن ساعات وقوفها في المطبخ، وتنظيفها للمنزل، ورعايتها لأطفالها، وسهرها على مريض، وتحملها لضغوط الأسرة، أمور تحدث من تلقاء نفسها ولا تستحق كلمة شكر.
ليست المشكلة في خدمة الزوجة لأسرتها
من الطبيعي أن تخدم الزوجة بيتها وأبناءها بحب، كما أن من الطبيعي أن يسعى الزوج لتوفير احتياجات أسرته.
المشكلة ليست في العطاء.
المشكلة عندما يتحول العطاء إلى واجب مفروض بلا تقدير.
عندما تصبح كلمة "شكرا" ثقيلة على لسان الزوج.
وعندما يعتقد أن كل ما تقدمه زوجته حق مكتسب له، وليس جهدا يستحق التقدير.
والأصعب من ذلك عندما يطلب منها المزيد، ثم ينتقدها على ما لم تستطع فعله، وكأنها آلة لا تتعب ولا تمرض ولا تحتاج إلى الراحة.
هل الراتب يجعل الرجل صاحب السلطة المطلقة؟
بعض الرجال يعتقدون أن الإنفاق على الأسرة يمنحهم الحق في التحكم بكل شيء.
أنا أدفع إذن أنا الآمر.
أنا أعمل إذن أنت مطالبة بخدمتي.
أنا الرجل إذن كلمتي لا تناقش.
وهذه النظرة تختصر الزواج في علاقة سلطة، بينما الزواج في حقيقته أوسع وأعمق من ذلك.
المال مسؤولية، وليس رخصة لإهانة الشريك.
والقوامة مسؤولية ورعاية وحماية، وليست تسلطا وإلغاء لشخصية الزوجة.
وكما أن الرجل يبذل خارج المنزل، فإن المرأة قد تبذل داخل المنزل جهدا لا يقل أهمية، وقد تتحمل أعباء نفسية وجسدية لا يراها أحد.
وماذا عن الزوجة العاملة؟
الأمر يصبح أكثر قسوة عندما تكون الزوجة موظفة أيضا.
تخرج صباحا إلى عملها، وتعود إلى المنزل لتبدأ عملا آخر.
وظيفة خارج البيت، ثم طبخ وتنظيف ورعاية أبناء ومتابعة دراستهم واحتياجات الأسرة.
ثم يأتي الزوج في نهاية اليوم ليسألها:
أين العشاء؟
لماذا البيت غير مرتب؟
لماذا لم تفعلي كذا؟
وهنا يجب أن يتوقف الزوج قليلا ويسأل نفسه:
متى ترتاح زوجتي؟
إذا كانت المرأة تعمل خارج المنزل وتساهم في دخل الأسرة، فمن غير المنطقي أن تعود إلى البيت لتجد نفسها أمام دوام ثان لا نهاية له، بينما يجلس الزوج منتظرا الخدمة.
البيت ليس فندقا.
والزوجة ليست موظفة استقبال.
والزوج ليس زبونا.
أيضا... لا بد أن نكون منصفين
الحديث عن حقوق الزوجة لا يعني إعفاء الزوجة من مسؤولياتها.
فالزواج شراكة، والشراكة تعني أن لكل طرف واجبات كما له حقوق.
هناك زوجات يهملن بيوتهن وأزواجهن وأبناءهن، وهناك زوجات يرفضن أي مسؤولية مشتركة، كما أن هناك أزواجا يظلمون زوجاتهم ويحملونهن فوق طاقتهن.
لذلك لا نريد أن نحول القضية إلى معركة بين الرجل والمرأة.
نريد أن نعيد الزواج إلى معناه الحقيقي:
رجل وامرأة يتعاونان لبناء بيت.
الكلمة الجميلة لا تكلف شيئا
قد تكون الزوجة متعبة، وكل ما تحتاجه من زوجها ليس مالا ولا هدية.
ربما تحتاج فقط أن يقول لها:
"الله يعطيك العافية."
"شكرا على تعبك."
"ارتاحي اليوم وأنا أتولى الأمر."
هذه الكلمات الصغيرة قد تعيد إلى المرأة شعورها بأنها محبوبة ومقدرة.
فالإنسان لا يعيش بالطعام والمال وحدهما.
نحن نحتاج إلى التقدير.
ونحتاج إلى أن نشعر بأن ما نفعله له قيمة في عيون من نحب.
لا تجعل زوجتك تخدم الجميع وتخسر نفسها
هناك زوجات يقضين سنوات في خدمة الزوج والأبناء وأهل الزوج، حتى ينسين أنفسهن.
لا وقت لراحتها.
لا وقت لصحتها.
لا وقت لهواياتها.
لا وقت لصديقاتها.
ولا حتى وقت لتجلس بهدوء مع نفسها.
ثم يستغرب البعض عندما تتغير المرأة بعد سنوات.
هي لم تتغير فجأة.
ربما هي فقط تعبت من العطاء الذي لم يجد تقديرا.
الزوج الذكي لا يبحث عن خادمة
الزوج الذكي يبحث عن شريكة.
يعرف أن المرأة التي يشعرها بالتقدير ستعطيه من قلبها، وأن البيت الذي يسوده الاحترام يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
ولا يعني ذلك أن الزوج يجب أن يقوم بكل أعمال المنزل، أو أن الزوجة لا تتحمل مسؤولياتها.
المقصود أن يعرف كل طرف متى يحتاج الآخر، وأن يتعاون معه عندما تشتد الظروف.
إذا مرضت الزوجة، يساعدها.
إذا تعب الزوج، تقف بجانبه.
إذا ضاقت الحياة بهما، يتكاتفان.
وإذا اختلفا، لا يتحول الاختلاف إلى إهانة.
أخطر ما في الأمر
أخطر ما يمكن أن يحدث داخل الزواج أن تعتاد الزوجة على الإهانة حتى تتوقف عن الشكوى.
أن تعمل وتصمت.
وتتعب وتصمت.
وتبكي وتصمت.
ثم يأتي اليوم الذي لا تعود فيه تريد شيئا من زوجها.
وهنا يجب أن ينتبه الرجل.
فالمرأة التي توقفت عن المطالبة بالتقدير قد لا تكون راضية.
ربما تكون وصلت إلى مرحلة فقدت فيها الأمل بأن يتغير شيء.
في النهاية
أيها الزوج...
زوجتك لم تدخل بيتك لتكون خادمة.
دخلته لتكون شريكة عمرك.
قد تطبخ لك، وتنظف بيتك، وتربي أبناءك، وتعتني بك عندما تمرض، وتسهر عندما تتعب، لكنها تفعل ذلك لأنها تحبك ولأنها ترى نفسها جزءا من هذا البيت.
فلا تحول محبتها إلى واجب.
ولا تحول عطاءها إلى حق مكتسب.
ولا تجعلها تشعر أنها مهما فعلت ستظل مقصرة.
قل لها كلمة طيبة.
اسألها عن تعبها.
اترك لها مساحة لنفسها.
ساعدها عندما تحتاج.
واحترمها أمام أبنائك وأهلك.
فالمرأة التي تشعر أنها شريكة في بيتها تعطي بسخاء، أما التي تشعر أنها مجرد خادمة فقد تستمر في أداء واجباتها، لكن شيئا جميلا داخلها يبدأ بالانطفاء.
الزواج ليس أن يجد الرجل من يخدمه، ولا أن تجد المرأة من ينفق عليها فقط.
الزواج أن يجد كل منهما إنسانا يقف إلى جواره عندما تتعب الحياة.
وفي البيوت السعيدة لا يسأل الزوج:
"ماذا فعلت زوجتي من أجلي؟"
ولا تسأل الزوجة:
"ماذا فعل زوجي من أجلي؟"
بل يسأل كل واحد منهما:
"ماذا أستطيع أن أفعل اليوم حتى يكون بيتنا أكثر راحة ومحبة؟"
وهنا يبدأ الزواج الحقيقي.

38 مشاهدة