فراشة اللهب (حكاية صوت)
انا ( وجس ) وسأحكي لكم حكايتي
إنصاتٌ ملئ بالدموع ، وتأملات حزينة على وجوه كالحة من سكان قريتي ، وهم ينصتون لصوت ( الحكواتي ) الذي يمر كل 4 اعوام ، الحكواتي الذي ينتظره سكان قريتي ، ويمنون النفس ويدعون الله ان يطيل اعمارهم من اجل ان يلاقوه مرة أخرى ، هذا البطل الاسطوري الذي حكوا لي قصته منذ أول وعي بدأ ينمو في رأسي ، وزرعوا في داخلي حب لقياه .
بهيبته العظيمة وزخرفه العجيب ، كان يبدأ كلامه بالبسملة ، ويقول مقدمته الثابتة في كل مرة يخطب في القرية :
- سأحكي لكم اليوم انجازات جديدة لـ ( مارد السعادة ) ، فخلال رحلتي في السنين الاربعة الماضية ، رأيت العجب العجاب ، ويبدأ بكلام لم نتذوق مثل جماله ابدأ ، كلام يختلف في روعته في كل لقاء
ومع الكلمة الاولى ، ينطلق المساكين ، كهولاً وأطفالاً وشباباً ، نساءاً ورجالاً ، بالبكاء على هذا الجمال ، ويزداد نحيبهم مع كل حدث ، كل موقف ، كل فرصة ، حتى تبتل ملابسهم ، وترى الدمع يسيل على نحورهم كينبوع .
ترتفع الاصوات عندما يقول خاتماً بكلمة المعتادة ( وهذا ما حصل وانتظروا ما سيحصل ) ، يصمت قليلة ليتلقف انفاسه المتناثرة من شجن الحديث الطويل ، وهم ما يزالوا يتسلقوا للوصول إلى قمة الدمع .
ويختم ( مثل كل مرة ) لكي يتسنى له المضي للقرى المجاورة ، وهو يقبض على لحيته البيضاء بيده اليمنى ورافعاً يده اليسرى عالياً قائلاً :
الى من اراد الفرح والثراء والترف والنعماء فلينادي على مارد السعادة طالباً حضوره لكم ، فكم من قرى كانت بؤرة للشقاء تحولت في لحظة إلى مصدر للرخاء بقدومه .
يا ايها الناس ، انه قادم لكم ، ولا يأتي إلا بطلبكم ، تكلموا واطلبوه ، بكل ما اوتيتم من كلام والسلام ختام .
ينتهي الحديث ولا ينتهون ، فيقوموا وهم يحسوا بأن وزنهم صار أخف ، غير عابئين بألم ظهورهم التي كسرها بُعدهم عن الراحة ، ينتشرون في الطرقات هائمين على وجوههم في الحلم الجميل ، كالسكارى ، باحثين عن هذا ( المارد ) في كل ما تراه اعينهم .
صارخين بأعلى أصواتهم قائلين : تعال الينا يا مارد ، نتوسل لك تعال ! ، يستمر الصراخ طوال الليل ! ، يقتنعوا بأنه سمعهم بعد ان هربت كل الغربان والجرذان من سطوح واقبية بيوتهم المتهالكة بسبب الضجيج !
فتظهر اسنانهم المنخورة في وقت واحد ! ، وتكون تلك الليلة الوحيدة التي ترى فيها كل سكان القرية مبتسمون !! ليعودوا في الصباح التالي لوجوههم المحزونة ! بعد ان تيقنوا بان المارد لم يأتي هذه السنة ( كالعادة ) !!!
ولكن هذا العام قررت القرية ان تخالف طقسها الثابت كل سنة ، بعد ان حشدهم ( خراص ) وجماعته ، هذا الرجل الذي يضاهي ( الحكواتي ) بكلماته ! ، قائلاً : قبل ان يمر بنا الحكواتي هذا العام ، لماذا لا نأخذ بنصيحته ولكن بإسلوب جديد ! ، استغرب الجميع ! . اتمم : نعم ، فقبل شهر ، كنت اصطاد في الغابة ، لأرى حجر ، شبيه بالانبوب !! وبعد تجربته انا وجماعتي ، تبين بأن له قدرة لنقل ( الصوت ) من شخص لأخر !! ( واجرى تجربة اما اعين الجميع ، فوضع فمه في الانبوب من جهة ، وصرخ احد اعوانه من الجهة الاخرى ) ، تكلم بعدها ولكن بصوت اعلى !! : ها انا حظيت بصوتي وصوت صديقي ، تعجب الجمع من هول الفعل ، استغل صمتهم بقوله : فمقترحي ان تعطوني اصواتكم لكي استطيع ان انادي ( المارد ) بصوت قوي واحد ! ، ولا اظن انه سيتغاضى هذه المرة فما تقولون !!
ظهر حسيس متناثر بين الناس ، استغل نقاشهم ودهشتهم واتمم : ولا تخافوا ، فإني استطيع ان ارجع الصوت لصاحبه بقلب المواقع بيني وبين صديقي ، وفعل ذلك ، ورجع الصوت لصاحبه !!
اتفق الهجس على قول واحد : فكرة حسنة !!
قلت لهم : وهل تعهد لنا بعودة اصواتنا اذا لم يأتي مارد السعادة ؟ واذا اتى هل تتعهد بأن تطلب منه ان يسعد القرية جمعاء ؟ وما الضمان ؟
قبل ان يدافع خراص عن فكرته ، اسكتني غضب الجميع ، وهم يرمقوني بعين ملؤها الكره ، فهم يعتقدون بأن فكرة ( خراص ) هي الامل الكبير للقاء السعادة !
صرخت : ايها الناس ، ولكنه ( خراص ) !! الذي باعنا حجاب خيوط العنكبوت المجلب للرزق ، ولم نرزق في ذلك العام اي شيء !
الذي باعنا خشب لبيوتنا على انه خشب من بلاد الغابات البعيدة بأغلى الاثمان ! وتبين انه خشب من غابتنة الفقيرة المليء بالديدان !!
الذي باعنا خداعه وصدقناه في كل مرة ، الم تقولوا عليه بأفواهكم بانه لا يستحق الثقة في البيع والشراء !! فكيف تعطوه صوتكم بلا ضمان ؟! كفانا اليوم ، لا يمنيكم بالسعادة ، ارجوكم انصتوا لي ، فخراص لا يستحق صوتنا .
قال جمع نَفَسه قريب من فكر خراص : لم لا نجربه ، واذا لا ، نأخذ اصواتنا ويعود كل شيء كما كان ؟
قال خراص : نعم وانا اعهد اليكم بأن اعيد اصواتكم كلها
قلت لهم : لا تثقوا بمن لا ثقة له ، ارجوكم !!!
قال خراص : ايها الناس ، وجس يريد بكم السوء ! ، ولا يريدكم ان تروا السعادة ! ، اظن بأن له مصلحة في ذلك ؟!
تعالت الاصوات المطالبة بإسكاتي !! لم استطع ان اسمعهم كلامي ، فصوت عُمي قلوبهم أمضى من حروفي !
بخبث الابتسامة التي ارتسمت على شفتيه الزرقاوتين ، طرق الحديد المتجمر بصوت عال : يا قوم لنحرقه ونتخلص منه ومن فكره وصوته !
تكالبوا عليّ ، وكأني انا من سرقت قوتهم ! واحلامهم ! وسعادتهم التي لم يمتلكوها ابدا !!
رفعوني على عمود من الخشب ، وقبل ان يضرموا النار ، قال خراص : مهلاً ! ، فليرى هذا الوجس ماذا يحصل عند قدوم المارد ! ، اريد ان اريه سعادتكم قبل ان يموت ، ليمضي حاسراً خاسراً
اعطوني اصواتكم !! ، ووقفت طوابير الحشود لأجل نقل اصواتهم إلى ( خراص ) ، ارتجفت وانا ارى الجميع يمسون خُرس ، وخراص يزداد صوته ارتفاعاً وقوة ! حتى اصبح لا يقول اي كلمة !
صرخت ايها الناس كفاكم
بعد ان انتهى كل سكان القرية ، كلهم ، عداي ! ، ابعد فمه عن الانبوب الحجري ، وتبسم وبدأ بقهقته العالية التي على اثرها اصطكت اسناننا من شدة الصوت ، الجميع وضعوا ايديهم على اذانهم ، إلا انا فيدي مربوطة من الخلف على العمود ، ليس بيدي حيلة ، خرج الدم من اذناي متناثراً ، سمعت صفيراً شديداً يثقب راسي من الجوانب !
مابين صفير ونزيف سمعته وكأنه يخفض صوته هامساً لكي احتمل صوته مخاطبني : لم تبقى إلا انت يا شقي ! اعطني صوتك ! ، قلت له : لا ، صرخ بكل قوته ، اعطني صوتك !! احسست بأن رأسي سينفجر ! ، لم اعد استطيع الرؤية بوضوح ! قلت : لا . اراد ان يرفع صوته أكثر ، ولكن الناس بدأت بالزحف على قدميه وعيونهم تبكي دماً ، وهم يرجونه ان يصمت
قال : تباً لك ، فلتذهب إلى مصيرك ، انتم ايها الحثالة ! هيا اضرموا النار فيه ! ، لم يطعه احد ليس عناداً ولكنهم دهشوا من لغته المخالفة لكلامه الاول ! ، قال لهم : اطيعوني وإلا هشمت رؤوسكم بصوتي ، هجموا بمشاعلهم وهم يمسحوا دموعهم الدامية بأكمامهم على خراص ! علهم يستطيعون ان يسترجعوا اصواتهم ويتخلصوا منه ، ولكن !
رفع خراص الانبوب وضربه في الارض ! ، وتهشم إلى شظايا من الحجارة ! وقال : يا لكم من حمقى ! ، تعال يا ( دميم ) ! ، كفى لعب ، لقد احتجت الى الكثير من السنين لأقنعكم بقصة المارد ، تعال !
خرج من خلف الجموع ، الكهل ( الحكواتي ) وهو بلباس غير لباسه الوقور !؟ ، ضاحكاً على ذقون الكل !
وقف بجنب خراص قائلاً : لسنين وسنين وانا اكذب عليكم بهذه الاكذوبة ، لكي اسرق اصواتكم لسيدي ( خراص ) ويصبح الوحيد وانا معه من نملك صوتاً في هذه القرية ، فيا أيها الخُرس ! اطيعوه ولتستمر حياتكم ! ، وإلا فسوف يبيدكم صوته ! هيا بسرعة ، اضرموا النار في هذا الشقي .
حاسري رؤوسهم ، مشوا كأمواتٍ الي ، سمعت صوت بداية اشتعال النار ، كان منظر مرعب ، ارتجفت اوصالي وانا احس بالحرارة بدأت بالاقتراب من اقدامي العارية ، بدأت الحقيقة ، بدأتُ بالصراخ ، كان جلدي يذوب ببطئ ، مختلطاً باللحم المشوي ، رائحة لم استنشقها من قبل ، وكأن الوف من الدبابيس وخزت روحي مرة واحدة ، الم لا يوصف ، ابداً ، مطلقاً .
اغمضت عيني ، فتحتها ، وجدتني وانا اتحول إلى رمادٍ اسود ! ، نظرت لسكان قريتي البائسون وهم يخدمون سيدهم الجديد ! ، قائلاً لهم : نعم هذه نهاية كل من يعارض ! ، تباً له ، اغضبني عليكم !!! وجعلني اكسر الانبوب الحجري !! يا اعزائي سأحاول ان اسعدكم قدر ما استطيع وان ابحث لكم بصوتي العالي !! عن كل ما تريدون ، ولكن اريد طاعتكم العمياء ، فالصماء فقط لا تكفيني !! ، لكي استطيع ان اوفر السعادة ( الممكنة ) لكم .
حركوا رؤوسهم صعوداً ونزولاً اعلان لقبول العبودية الجديدة !
قال دميم فيهم : هيا إلى العمل بسرعة ، فسيدكم خراص يريد الليلة بعد انتهائكم من اعمالكم ، ان تطيبوا نفسه برقصكم على رماد هذا الشقي ، واشار الى كومة بقاياي ! ، لأنه انزعج اليوم بسببكم ومن اجلكم !
في الواقع اصبحت روح ، قلت في خاطري : تعساً ، وانتم تحرقون ابنكم يا قرية ال.... ، وانتبهت بأن قريتي لم تكن تحمل اسماً ابداً !! فعلاً ، فمثل هكذا بشر لا يستحقوا الاسماء ولا الاصوات ولا الارواح ابداً .
نعم ايها القوم ، وكأني بنظراتكم على كومة رمادي تقول : لم يكن اسم وجس يلق بما فعلت يا شجاع !
انا شجاع طالما امتلك صوتاً ، انا حر طالما امتلك روحاً ، وما انتم الآن سوى اجساد موتى تتحرك لأجل سيدها
احرقتموني يا لا شيء ولم اعطه له ! سيبقى صوتي انا ، لوحدي انا
انتهت

1 مشاركة32 مشاهدة