
مقال 7 دقائق للقراءة
مصر التي لا تُرى في الصور
مقال بعنوان : — بقلم: أحمد عزيز الدين أحمد ــــــــــــــــــــــ،
هناك خطأ صغير نرتكبه كلما حاولنا أن نتحدث عن مصر؛ نبدأ من الأشياء التي يمكن تصويرها. نضع الأهرامات في المقدمة، ثم النيل، ثم المعابد، ثم المساجد والكنائس، ثم القاهرة القديمة، ثم البحرين، ثم قناة السويس، وبعد ذلك نقول: هذه هي مصر. لكن الحقيقة أن هذه ليست مصر كلها، وإنما هذه بعض الأشياء التي تستطيع الكاميرا أن تراها، أما مصر الحقيقية فتبدأ في اللحظة التي تعجز فيها الكاميرا عن التقاط الصورة. مصر ليست حجرًا عظيمًا قائمًا في الصحراء، وإنما الفكرة التي جعلت الإنسان المصري يؤمن بأن الحجر يمكن أن يتحول إلى معنى، وليست نهرًا يشق الأرض من جنوبها إلى شمالها، وإنما علاقة عميقة بين الإنسان والماء؛ علاقة جعلت أجيالًا كاملة تفهم أن الحياة قد تأتي من طريق ضيق، وأن الصحراء مهما اتسعت لا تستطيع أن تهزم بقعة واحدة قررت أن تعيش. وربما كان النيل أول درس مصري في الفلسفة؛ فهو لا يشرح نفسه، وإنما يمضي، ولا يسأل الأرض إن كانت تستحق الماء، ولا يفرق بين غني وفقير وهو يهب الحياة. ومنذ آلاف السنين كان المصري ينظر إلى هذا المجرى الممتد أمامه فيتعلم، من غير كتاب، أن الاستمرار أحيانًا أعظم من الانتصار. وهذه الجملة وحدها يمكن أن تفسر جانبًا كبيرًا من الشخصية المصرية؛ فمصر لم تكن دائمًا أقوى من الذين مروا بها، لكنها كانت أكثر قدرة على البقاء منهم. كم من قوة جاءت إليها ثم رحلت؟ وكم من راية ارتفعت فوقها ثم سقطت؟ وكم من حاكم ظن أن البلاد تبدأ معه وتنتهي برحيله؟ لكن مصر بقيت، وهنا تكمن إحدى أعقد مفارقاتها؛ فالذين حكموا مصر كانوا كثيرين، لكن مصر نفسها لم تكن ملكًا لأحد. كانوا يعبرون فوقها، بينما كانت هي تعبر فوق الزمن. ولو أردنا أن نبحث عن سر مصر، فلن نجده في أقدم حجر، وإنما في أحدث وجه. ذلك الفلاح الذي يمسك حفنة من تراب أرضه يعرف، من غير أن يقرأ كتابًا في التاريخ، أن الأرض ليست مادة فقط. وتلك الأم التي تضع الطعام أمام أطفالها تعرف أن الوطن ليس خريطة معلقة على الحائط. والعامل الذي يعود متعبًا في نهاية اليوم يعرف، دون تنظير، أن الأوطان تُبنى من الأيدي قبل أن تُبنى من الشعارات. والطفل الذي يذهب إلى مدرسته في قرية بعيدة يحمل مستقبل بلد لم يكتمل بعد. هؤلاء هم مصر التي لا تدخل كتب السياحة. وقد يكون أعظم ما فعلته الجغرافيا بمصر أنها أجبرتها على أن تكون متعددة. فهي ليست صحراء فقط، ولا نهرًا فقط، ولا ساحلًا فقط؛ هي جنوب يحمل ذاكرة خاصة، ودلتا تشبه بساطًا أخضر، وسيناء تقف عند بوابة آسيا، وساحلان يفتحانها على بحرين، ومدن تتفاوت في لهجاتها وملامحها وعاداتها، ومع ذلك تستطيع أن تقول عن كل هذا: مصر. وهذه ليست وحدة سهلة، وإنما وحدة الاختلاف، وهنا تظهر عبقرية مصر الأخرى؛ أنها لم تحتج إلى أن تجعل أبناءها متشابهين لكي تجعلهم مصريين. قد يختلف المصريون في لهجاتهم وطباعهم وطرق حياتهم، لكن هناك شيئًا خفيًا يجمعهم؛ شيئًا لا تستطيع اللغة وحدها أن تشرحه، وربما هو ذلك الإحساس بأننا جميعًا أبناء قصة أطول منا. والغريب في مصر أن الماضي فيها لا ينام. في بلاد أخرى قد تزور متحفًا لترى التاريخ، أما في مصر فقد تعثر على التاريخ وأنت ذاهب لشراء الخبز. قد تمر بجوار بناء حديث فتجد خلفه أثرًا عمره قرون، وقد تمشي في شارع مزدحم فتدرك أن الطريق نفسه ربما مر به أناس لم يعرفوا السيارات ولا الكهرباء ولا الهاتف ولا العالم الذي نعرفه. هنا لا يقف الماضي في متحف، وإنما يمشي في الشارع، ويجلس في المقاهي، ويدخل المدارس، ويظهر في الأمثال الشعبية، ويختبئ في أسماء القرى، ويسكن في طريقة المصري في الضحك وقت الشدة. ولعل هذا أحد أسرار خفة الدم المصرية؛ تلك القدرة العجيبة على تحويل القسوة إلى نكتة، والخوف إلى تعليق عابر، والانتظار إلى حكاية. وليست السخرية المصرية دائمًا هروبًا من الواقع، وإنما قد تكون في كثير من الأحيان طريقة الإنسان في أن يقول للواقع: لن أسمح لك أن تكسرني بالكامل. ثم جاءت العصور، ولم تكن مصر في أي وقت صفحة واحدة. كانت طبقات فوق طبقات؛ فرعونية، ثم يونانية، ثم رومانية، ثم قبطية، ثم إسلامية، ثم مصر الحديثة بكل ما حملته من تحولات. لكنها لم تكن في كل مرة تبدأ من الصفر، وإنما كانت تأخذ من كل عصر شيئًا، وتترك فيه شيئًا، ثم تعيد صياغة كل ذلك بطريقتها. وهذا هو معنى الحضارة الحقيقي؛ فالحضارة ليست أن تظل كما كنت، وإنما أن تتغير دون أن تفقد نفسك. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لم تكن القاهرة مجرد عاصمة. لقد كانت في مراحل طويلة من تاريخها عقلًا عربيًا كبيرًا؛ فيها اجتمع العلم بالأدب، والدين بالفكر، والفن بالسياسة، والصحافة بالشارع. وفيها أصبح الكتاب حدثًا، والأغنية ذاكرة، والمسرح سؤالًا، والسينما لغة يفهمها الملايين. وخرجت الثقافة المصرية من حدودها الجغرافية بطريقة جعلت العالم العربي يعرف مصر أحيانًا قبل أن يعرف تفاصيل جغرافيتها. كانت أغنية مصرية تصل إلى بيت في المغرب، وفيلم مصري يصل إلى قرية في الخليج، وكتاب لكاتب مصري يصل إلى قارئ في المشرق، وبذلك صنعت مصر نوعًا آخر من الجغرافيا؛ جغرافيا لا ترسمها الحدود، وإنما ترسمها الذاكرة. لكن أخطر سؤال يمكن أن نطرحه اليوم ليس: ماذا فعلت مصر في الماضي؟ وإنما: ماذا ستفعل مصر بالماضي؟ فالتاريخ يمكن أن يكون جناحين، ويمكن أن يكون قيدًا. إذا استخدمناه لنقول إننا أفضل من غيرنا لأن أجدادنا كانوا عظماء، تحول التاريخ إلى مرآة نحدق فيها حتى ننسى الطريق، أما إذا استخدمناه لنسأل: ماذا تعلمنا من الذين سبقونا؟ فإنه يتحول إلى طاقة. وهنا تبدأ مسؤولية المصري؛ فليس المطلوب أن نبكي على حضارة عظيمة انتهت، ولا أن نعيش على أمجاد لا صنع لنا فيها، وإنما المطلوب أصعب بكثير: أن نضيف صفحة جديدة. مصر اليوم ليست مطالبة بأن تعيد بناء الماضي؛ فالأهرامات موجودة، والمعابد موجودة، والكتب محفوظة، والآثار تشهد. لكن ما ينقص الحكاية هو الفصل الذي لم يُكتب بعد. فهل تستطيع مصر أن تجعل العلم جزءًا من قوتها كما جعلت الزراعة يومًا جزءًا من بقائها؟ وهل تستطيع أن تجعل المدرسة مكانًا لصناعة العقل لا مجرد مكان لتلقي المعلومات؟ وهل تستطيع أن تجعل الاختلاف وسيلة للإبداع لا سببًا للصراع؟ وهل تستطيع أن تمنح شبابها سببًا يجعلهم يرون المستقبل هنا لا في مكان آخر؟ هذه الأسئلة ليست خارج التاريخ، وإنما هي استمرار له. ربما لهذا السبب لا أحب أن أقول إن مصر عظيمة لأنها قديمة؛ فالقدم وحده لا يصنع العظمة. الحجر القديم جميل، لكنه لا يكفي. العظمة الحقيقية أن يكون في البلد ما يستحق أن يولد غدًا؛ أن يكون الطفل الذي يجلس الآن في فصل صغير قادرًا على أن يضيف إلى مصر شيئًا لم يستطع أحد من قبل أن يضيفه، وأن يكون هناك عالم مصري سيكتشف غدًا ما لم نعرفه اليوم، وروائي سيكتب حكاية لم تُكتب، ومهندس سيصنع ما لم يُصنع، وطبيب سيمنح إنسانًا فرصة جديدة، ومعلم سيغير حياة طفل بكلمة واحدة. هناك، في هذه اللحظة الصغيرة، تولد الحضارة من جديد. لهذا فإن مصر ليست فقط ما تركه المصريون القدماء خلفهم، وإنما أيضًا ما يتركه المصريون الآن أمامهم. إنها ليست مقبرة للماضي، وإنما ورشة للمستقبل. وليست قيمتها في أنها استطاعت أن تبقى آلاف السنين فقط، وإنما في السؤال الأكثر صعوبة: هل تستطيع أن تجعل الألف عام القادمة جديرة بأن تُروى؟ قد تنتهي الإمبراطوريات، وقد تتغير الخرائط، وقد تتبدل أسماء الشوارع، وقد تظهر مدن جديدة لا نعرفها الآن، لكن هناك شيئًا واحدًا يمكن لمصر أن تفعله دائمًا: أن تعيد اختراع نفسها دون أن تنكر نفسها. وهذه، في رأيي، ليست مجرد ميزة من مزايا مصر، وإنما هي مصر نفسها؛ وطن لم ينتصر على الزمن لأنه أوقفه، وإنما لأنه تعلم كيف يمشي معه دون أن يفقد خطاه. مصر لا تحتاج إلى أن تثبت للعالم أنها كانت عظيمة؛ فالتاريخ قام بهذه المهمة منذ زمن بعيد. ما تحتاجه الآن أن تصنع شيئًا يجعل المستقبل نفسه يشهد بأنها ما زالت قادرة على العظمة.
بقلم / احمد عزيز الدين احمد كاتب وروائي وشاعر
