
مقال 3 دقائق للقراءة
حق ذي حق
في سبتمبر ١٨٨١، توجَّه الزعيم أحمد عرابي إلى قصر عابدين ممتطيًا جواده، وحوله ضباطه وجنوده، وكان قد تجمَّع حول القصر عددٌ كبيرٌ منهم، ناهيك عن أفراد الشعب الذين التفُّوا حول جدران القصر ليروا ماذا يحدث، بالإضافة إلى مجموعة الأجانب الذين قطنوا مصر في تلك الفترة. ولا يمكن لإنسان، أيًّا كان مَن هو، في تلك الفترة أن يخطر بباله أو بفكره أبدًا أن هناك مَن يستطيع أن يرفع نظره في وجه عينٍ من أعيان البلد أو ذاتٍ من ذواتها، بل إنني لا أبالغ إذا قلت: حتى أن يرفع نظره إلى ركائبهم من خيولٍ وعرباتٍ تجرُّها. فلنتخيَّل معًا أن عرابي الآن، بجنوده، يتوجَّه إلى قصر عابدين للتحدُّث مع الخديوي بشأن مطالب يرون أنها من حقهم، وأن الخديوي، بسياساته، يسير في طريقٍ خاطئٍ سوف يودي بالبلاد والعباد.
نعم، لقد كانت مطالبهم متعلِّقة بالجيش وموارده واستعداداته وحالة رجاله، ضباطًا ومجنَّدين، ولكن لا ننسى أنه كانت هناك حركة ساخنة متمرِّدة في الشارع المصري آنذاك ضد الأجانب ونفوذهم، ورفع المصريون، بقيادة عبد الله النديم، شعار «مصر للمصريين». وكان هذا هو الجو، وتلك هي الظروف التي حدث خلالها هذا الحدث الأعظم في هذا القرن التاسع عشر.
توجَّه عرابي، وقابله الخديوي في ساحة القصر، وحوله عددٌ من قناصل الدول الأوروبية. وقبل أي حديث، فقد أخذت العزَّة الخديوي توفيق، فصاح في عرابي آمرًا إياه بالنزول أولًا عن فرسه قبل الحديث. وفعل عرابي، ونزل وتقدَّم نحوه، فسأله الخديوي عن سبب قدومه مع أفراد الجيش، ليردَّ عرابي بأنهم جميعًا قد جاءوا ليعرضوا على مولانا طلباتٍ رأوا أنها في مصلحة البلاد والعباد. ويردُّ عليه الخديوي برفض هذه الطلبات، متعلِّلًا بأنه كما ورث مُلك البلاد، فقد ورث أبناءها معه.
وهنا صاح عرابي بجملته الشهيرة: «لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا، فوالله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَث ولا نُستعبَد بعد اليوم».
والوقفة هنا؛ إذ جاء بعد ذلك بسنوات عديدة جدًّا مَن يشكِّكون في رد عرابي على الخديوي، بل زادوا على ذلك أن خرج منهم مَن كذَّب الواقعة برمَّتها. وهنا أريد أن أسأل سؤالًا:
إن أحمد عرابي ذكر هذه الواقعة، وذكر ما تحدَّث به كلٌّ من الخديوي وأحمد عرابي نفسه. كما أنه حين كتب هذا الكلام في مذكراته، كان وقتها في موقف ضعيف جدًّا؛ إذ كان قد نُفي خارج البلاد إلى جزيرة سيلان، ثم عاد بعد سنوات عديدة شيخًا طاعنًا في السن، وقد أُصيب بأمراض شديدة، وعانى بعد عودته من الفقر المدقع، وتطاول عليه الجميع، إذ اتهموه بأنه كان السبب في احتلال الإنجليز لمصر. ولكن أحدًا لم يكذِّب ما قاله في مذكراته، فكان الأولى أن يكذِّبه معارضوه الذين عاصروا الحادثة، وعاصروا انكساره ونفيه، ثم عودته في الحالة التي يُرثى لها. فعدم تكذيبهم له دليلٌ على أنها حدثت فعلًا.
بل أزيد على ذلك سؤالًا مهمًّا جدًّا:
أليست الحادثة نفسها عظيمة وجريئة، وفيها من الشجاعة ما لم يكن لها مثيل؟
أليست مواجهة الخديوي، في وقتٍ كان الفلاح المصري لا يُسمَع صوته إلا بصرخةٍ من جلدة سوط، حدثًا عظيمًا؟
إن التصدِّي لكتابة التاريخ لا يكون بمهاجمة الرموز والتقليل منهم، بل بالتركيز على لُبِّ المواقف العظيمة والأهداف الجليلة، بغضِّ النظر عن تعظيم شخص وإهانة آخر.
لقد علا صوت عرابي بشعار «مصر للمصريين» في وقتٍ ساد فيه الظلم ونفوذ الأجانب وتعنتهم والسلطة. فواجبنا الاعتزاز به وبموقفه، لا إهانته والتقليل من شأنه.
فالمجد، كما قال الشاعر أمل دنقل، لمن قال «لا» في وجه مَن قال «نعم».
