صَعْبٌ الفُراق , صعبٌ جدا. هذا ما تَبادر الى خاطري عندما كُنْت أودِّعُها.
كُنْت ألوِّح بيدي اليُمنى ويَدي اليُسْرى تَمْسَحُ دمعًا تهاطل ساخناً.
كان هذا أسْوأَ يَوم في حياتي. لقد عَادت ابْنة خالي سما الى بلاد الغُرْبة تَاركَة وَرَاءها أَسْرَارا وعَطَايا شَتّى, أَشْياء لا تُقدّر بِثمن. قد يَتَبَادَرُ إلى ذِهْنكَ أنَّها أَلْعابٌ مَلابس أو شكولاتة ,لكنّ الأَمر أَعْظم من ذَلك بكثيرٍ.
بَدَأَ الأَمْر حين قَدِمَ خَالي رِفْقةَ عائلته من فرنسا ليقضيَ مَعنا شَهرًا كَاملاً فهو مُشْتاق للعودَة الى أَرض الوَطَنِ بعد غيابٍ دَام سنواتٍ. لَفَتَتْ سما انتباهي فقَد أصبَحَتْ في التاسعة من عُمُرها، كلُّ شيء فيها يَبْدو مُمَيّزا وكأَنَها من عَالمٍ آخر، تعْلو وَجْهَها حُمْرَة جَميلةٌ يَتَخَلّلُها بعْضُ النَّمش .يَنْسَدل شَعْرُها النَّاعم على كَتفيْها لا ظَفيرةَ تُزَيِّنُهُ ولا رِباطَ يَأْسِرُهُ. كانَت خَفيفةَ الحَرَكةِ كثيرةَ الكَلَامِ تَتَفوَّه بِكلمَاتٍ مبعثَرةٍ لاَ تَكَاد تُميّز فيها بيْن العَربيّة والأَجنبيّة.
لاَ أَعْرِفُ كيْف ومتَى صَارتْ هذه الوَافِدةُ الجَديدةُ مُحبَّبَة إلى قَلْبي حتّى أَنَّني صِرْتُ لا أُفَارِقُها.تَتَالتْ الأَيام بسرعة بيْن مَرَحٍ و لَهْوٍ و زيارةٍ للأقاربِ مُتَمتِّعِين بمَبَاهج الصّيْف و البَحرِ حتى انتهى بنا المَطَافُ إلى بَيْت جَدّتي حيْث سَنُمضي هناكَ ما تَبَقّى من العُطْلة. كانت أَيّاما قَليلة لَكنَّنَا عِشْنَا فيها الكَثيرَ.
فَوْر وُصولنا استلَمْت زِمام الأمورِ وأصبَحْت المُشْرفةَ على سما، فأَنا أَعْرف هذا المنزلَ جيّدا: غرفَةً غرفَةً، ركناً ركناً، أو هذا ما كُنْت أَعْتَقدهُ. لَكَ أَن تَتَخيل فَرْحَة جَدّتي ومَا جهَّزَتْه من صنوف الأَكل والحَلوَى.
في اليوْم المُوَالي استيْقظنا على صوْتِ أمِّي تُلاَعِب أَخي الصّغير "سَعْدِي بيه و سَعْدِي بيه" كَلماتٌ بَدَت مَأْلوفَةً بالنّسبَة لي و لكنَّها استَرعتْ انتباهَ سما و طَلبت أن تَسمَعَها مرةً و اثنينِ و ثلاثًا. الآن فَقَط أمعَنت التدقيق في معاني الكلماتِ وكأنَني أسْمَعها لأوّل مَرةٍ فهي على بَسَاطتها تُعبّر عن هوية بَلدٍ بأكمَله وتَحْفَظ تُراثَه، تَنَاقَلتْهَا الجدّاتُ من جِيلٍ الى آخر كأَنها عقْدٌ من حبَاتِ اللُؤْلؤْ النّفيسِ.
مَضَتْ ساعَاتُ النَّهار الأُولى واقْتَرَب موْعِدُ الغَداء. هَا هي جَدّتي تَتَوسَّطُ مَطبَخَها المتوَاضع لتجَهّز لنا الكُسكُسيَّ فطَلَبتْ منَّا إحضار بعض المستَلزَمَات من بَيْت العولَة. أخَذْتُ سما إلى هناكَ: ذلكَ المَكَانُ المظلمُ المنعَزلُ.ما إن وَلَجْنَا حتى تَلاطَمَتْ بأَنْفَيْنَا رَوائح متعَددةٌ. جَعَلتْ سما تُحَمْلق يَمنةً ويَسرةً ففَهمْتُ ما يجولُ بخَاطِرِها ثم شَرَعْت في تعْريف كل عُنصرٍ من عَناصر متَاهَتها الصَغيرةِ.
هذه لحومٌ مجفَفَةٌ وهذه بهَاراتٌ لم تلْبَث أن وُضعَتْ في بَرْطَمَانات أَما ذلك فكُسْكُسيٌّ تَعبتْ النّسوة كثيرا في تَحْضِيره وهذه قَلائد من الفُلْفُل المُجَفّف تَحْت أَشعّة الشَمسِ الحَارقةِ.أَشارتْ سما بإصْبعها مستفسرةً:
هلْ هذا كأْسُ بُطولةِ الألعابِ الأولمبية؟
لم أتمالكْ نفْسي من الضّحك فأجَبْتُها مُوضّحةً:
-إنّه مهراسٌ نُحاسيٌّ نستعْمله لطحنِ الثُوم و التّوابل
قاطعتني قائلة:
-وما الذّي كُتِب عليه ؟
أطرقت بُرْهةً, ولِوهْلةٍ أدْركتُ أنّها المرّةُ الأولى التّي أرى فيهَا هذهِ الزّخارفَ الجميلةَ.
جَلبْنا الأَغْراض ثمّ غَادرْنا بيْت العولة الذي أحسسْتُ فيه أنّني داخلَ كهْفِ "علي بابا", إحساسٌ لم أشهدهُ من قبلُ قطُّ.
شكرتْنا جدّتي واحتَضنتْنا فلامَستْ مِلْيتُها النّاعمةُ وُجُوهَنا الصّغيرة َ وعبِقْنا برائحةِ السّخَابْ والبخورِ التّي تَفُوح من ملابِسها، عناقٌ طويلٌ... أطول من المسافةِ بين فرنسا وتُونس. لأوّل مرّةٍ أخذتْني الرّوائح بعيداً بعيداً, و من هُنا انطلقْتُ في رحلة عبْرَ الزّمنِ. وجدْتُنِي أمام قصر الجَم العظيم ومنْهُ حلّقْتُ فوق جامع الزّيتُونة ثُمّ إلى حدائق فُسْقية الأغالبة الى أن أصبحتُ أتَجوّلُ عبْر الحَنَايا وها أنا الان فوْق جِبال الثّالجة
تلْك الشَّاهقاتُ التّي لطالما شَهِدتْ مَلاَحِمَ بُطُولات عتيّةً في قفصةَ الأبِيّة.
أفقْت من رِحلتي على شَقْشقَةِ أساورِ جدّتي الفضّية, كيف لم أُلاحظ لَمعانها مِن قبْلُ, لمعانٌ أخذ بشغاف قلبي, لُجيْنٌ صافٍ كصفاء قلْب جدتي.واصلْنا اللّعب و تبادُل المُلح حتى حان وقت الغداء.
فُرِشتْ زرابي المَرْقوم و صُفّت النّمارِقُ ثم وُضِعت طاولةٌ مستديرةٌ خشبيةٌ فوقها قصعةُ كُسكُسيّ حوله كؤوسٌ فخاريةٌ لم تلبثْ أن مُلِئتْ بالرّايب. غُصْتُ في هذا المشهدِ الجميلِ, فخُيِّل إليّ لوهلةٍ أنه بَدْرٌ أحاطتْ به نُجُومٌ برّاقةٌ.
أرادت سما أن تطرحَ سُؤالاً و لكنّ جدّتي نَهَرتْها قائلةً: "لاَ كلامْ على طعامْ ".
كُتِمَ كُلُّ صوْتٍ إلا صَوْتُ الملاعِق وكأنّها سُيُوفٌ مُتنَاحِرَةٌ .
أدْركتُ حينها أن هَذا ليْس سِوى مَثَلٍ منْ جُمْلةِ الأمْثالِ التّي تسْتشْهِدُ بها جَدّتي فجُعْبَتُها تَزْخَرُ بعبرٍ لأيّ شيءٍ و كُلّ شيءٍ. بعد الفراغِ من الطّعام، أخذْتُ ابنة خالتِي في جَولةٍ في أرْجَاء الحَيّ ثم عَرجْنا على دُكّان العَمّ "لَخْضِر" حيثُ اشْتَريْنا بعض السّكاكِر.
شدّ انتباه سما الرُموز المرْسُومةُ على القِطع والأوراقِ النّقديّةِ، تفاصيل لمْ أُعِرْها اهتمامًا من قبْلُ.
بِطِيبَتِه المعْهُودةِ بدأ العم "لَخْضِر" يشْرحُ الرُّمُوز و يُجيبِ عن الاستفساراتِ قائلا:
هذه توْحيدة بن الشيخ أوّلُ طبيبةٍ تُونسيةٍ, ذاك الهادي نويرة شَغَل مَنْصِب الوزيرِ الأوّل و هذا فرْحات حشّاد مُؤسّس الاتّحاد العام التُونسيّ للشُّغل أمّا ذاك فخيرُ الدين التّونسي و هو مصلحٌ و مُفكِّرٌ فَذٌّ
ولماذا رُسِمَتْ صُورُهم فوْق الأوراق النّقْديةِ؟
لأنّهم قامُوا بعديدٍ من الإنْجازَاتِ لِصالحِ البلادِ والعبادِ.
شُكْرًا لك سيّدي على كُلّ هذه المعلوماتِ الثّمينةِ .
دَسَّ العم "لَخْضِر" قِطْعةً من فِئةِ خمْسمائةِ ملّيماتٍ في يدِ الصّغيرةِ كهديّةٍ تِذْكاريّةٍ فاسْتَفسرتْ منّي عن مَكْنُونِها. أخْبرْتُها أنّ شَجرةَ الزّيْتُونِ رَمزُ الخُصُوبة و السّلامِ, و تُراثُنا الأصِيلُ يُمثِّل جُذُورَهَا و كُلّما كبُرَتْ, اشْتدّتْ و قَويتْ و أصبحتْ مُسْتَعدّةً لِمُجابَهةِ تَقَلُّبَاتِ الزّمان. ثمّ احْتَضَنْتُها بِكُلِّ حُبٍّ وسِرْنا فِي طرِيقِ العوْدةِ الى المَنْزِلِ.
لقدْ أصبحْتُ أَرَى الأشْياء بمنْظُور سما زِيارَتُهَا جَعَلتْنِي أكْتَشِفُ السِّحْرَ الكَامِنَ في الأشْيَاءِ البسِيطةِ مِن حَوْلي. ستُغادِرُ سما و ستَتْرُكُ في قَلْبِي لَوْعَةً و أَسَى ,لكنّها ستتْرُكُ أيْضًا أسْرارًا و عَطايا لا تُقدّرُ بثَمنٍ.
بعد أيّامٍ حانتْ لحظاتُ الفراقِ الصّعْبة. أعرِف أنّ سما قد رحلتْ ,لكنّها علّمتْني أنّ وَراء التّفاصِيلِ الصّغيرَةِ التي نَعِيشُها كُلّ يومٍ كُنُوزًا قيِّمةً و تُرَاثًا سَاحِرًا يبْتَسِمُ لنا بيْن الفَيْنةِ و الأخْرى مُعْلِنًا عن سِرٍّ جديدٍ. فيها قليلا
34 مشاهدة