لقد قتلتُ القصة!
(( لقد قتلت القصة! ))
...
بقلمي: سهل أبو معلا ( أبو فارس معلاوي )
من مجموعتي القصصية ( تعذر الوصول إلى الشبكة! ) المجموعة بالمشاركة مع الكاتبة: إسلام أبو عوض..
..
هب أنك أردت كتابة قصة، لكن لا توجد لديك فكرة واضحة لتكتب عنها، وبدأت تتساءل: يا ترى عمّاذا أكتب، ولمن؟
لا يمكنك أن تكتب قصة عن شيء لم تتفاعل معه، ولا يمكنك أن تكتب عن شيء تجهله. حينها ستقف القصة أمامك ساخرة؛ فلأول مرة ستنجو من الألم، فهي دائمًا ما يستخدمونها لتفريغ الأوجاع أو الحديث عنها.
..
تجمّدت الأفكار وعاندتني الكلمات، والقصة تثب أمامي راقصة من شدة سعادتها. لقد أخرجت لسانها لي مرارًا لتخبرني بأنها انتصرت هذه المرة، إذ قالت: "دعِ الأوراق، واذهبْ ومارس طقسًا آخر غير ذبحي كما تفعل دائمًا."
..
فعلاً لم أكتب شيئًا. يبدو أنها ستنتصر هذه المرة، فالقصة ليست فتاة ألعوبان تلتهمها كلما تمايلت أمامك، وليست كعجائزنا اللاتي يُحاصِرن الأطفال برذاذ حكاويهن عن الأزمنة الغابرة.
..
أحيانًا تقف القصة أمامنا كأنها كائنٌ غرائبي: نصفُ امرأة ونصفُ سمكة، أو نصفُ إنسان ونصفُ كلب.
..
ذاتَ مرة شاهدتُ القصة تصارع آلهة الجدية والحزم، وفعلاً انتصرت عليها وجرّتْها وراءها كما يُجرّ الخصيُّ وراء وصيفات الملكة، وحبستها في طرف غلافها. ولا أعلم ما سبب الخلاف الذي دبّ بينهما. حاصل الأمر أن الحالة ازدادت سوءًا بعد حبس تلك الآلهة، فانتشرت التفاهة والسخف، وتصدّر التافهون والحمقى منابر العالم.
..
حينها توسّلتُ إلى القصة بأن تفكّ أسر تلك الآلهة، فأبت. وبعد محاولات عدة وافقت شريطة أن تعتذر لها. انطلقتُ حينها إلى آلهة الجدية بالبشرى، لكنها خذلتني إذ قالت: "الآلهة لا تعتذر لأحد."
..
قضيتُ سنوات من عمري أحاول فكّ ذلك النزاع دون جدوى، لذا قررت أن أعرف سبب الخلاف الذي أدى إلى ذلك الصراع. وبعد محاورات عدة مع الطرفين علمتُ ما حدث.
..
لقد طالبتِ القصةُ آلهةَ الجدية بأن تفكّ أسر آلهة الموت، بحجة أنه من غير العدل أن تستمر الأوجاع والآلام إلى ما لا نهاية. فصفعتْها آلهةُ الجدية قائلة: "أنتِ مجردُ سجادةٍ نسطّر عليكِ ما نريد، لا أمر لكِ ولا نهي."
..
مهلًا… منذ متى تم أسر آلهة الموت؟ ولماذا تم أسره؟ كنت أقف في صفّ القصة مؤيدًا حجتها، لكني تفاجأت حين قالت لي آلهة الجدية: "أنا أعلم ما وراء السطور. القصة لا تعنيها الأوجاع، كل ما هنالك أنها تريد للتفاهة أن تظهر دون إيقاف الألم، والدليل أنها—وبعد أن حبستني—لم تفكّ أسر آلهة الموت حتى الآن، وهو السبب الذي جعلها تختلف معي كما زعمتْ."
..
لقد سقط الجحيم ذات مرة، فالتقطه الظلام قبل أن يصل. وما زال يتسرّب منذ ذلك اليوم. إنها نهاية حتمية.
..
القصة دعمت التفاهة دون موت، وهو ما سيؤدي لاحقًا إلى ألم البقاء الخالي من الغاية، وهو ألم لا نهاية له؛ فالموت حبيسُ القصة التي تُظهر وجهها الحسن وتُخفي خلفها وجعًا لا يمكننا الانفكاك منه.
..
اتخذتُ حينها القرار الأخطر. تسللتُ خلف الظلام، دخلتُ غرفة نومها، وغرستُ السكين في صدرها. فأبصرتْني بنظرة تحمل آلاف الكلمات، لكنها لم تنطق، بل نزف فمها. فضغطتُ بكل قواي على سكيني فغاص حتى خرج من الجهة الأخرى، فشخرت… وماتت. لقد قتلتُ القصة!
..
وسرعان ما فككتُ القيود عن آلهة الموت، لكني وللأسف كنتُ أولَ موتاها!
..
بقلمي: سهل أبو معلا ( أبو فارس معلاوي )
من مجموعتي القصصية: ( تعذر الوصول إلى الشبكة! )
..

17