"غيمة تُزهر ياسميناً"
حينَ يطرقُ الشتاءُ أبوابَ المساء، وتنسكبُ قطراتُ المطرِ المتتالية على الأسقفِ والجدران، يمتلئُ الأثيرُ برنّةِ السكون، كأنما العالمُ يكفّ عن الهرولةِ ليعودَ إلى قلبه.
في مثلِ هذه الأوقات، حيثُ يتصاعدُ بخارُ الدفءِ في الغرفِ المغلقة، وتتوارى الطرقاتُ خلفَ ستائرِ الضباب، قد يتسللُ إلى الخاطرِ أن الأشياءَ الجميلةَ قد غادرت مع أوراقِ الخريف. لكنّ هذا ليس إلا صمتاً يُسبقُ الولادة.
على حافةِ النافذة، تتثبتُ غصيناتُ الياسمينِ بالضوءِ القليل. لا تشكو البردَ، ولا تطالبُ الشتاءَ بتقديمِ ساعاته، بل تستعينُ بهذه البرودةِ نفسها لتركزَ عطرها الناعم، وتطلَّ بأوراقها الناصعةِ كأنها تقول: "إن الذي يملكُ النقاءَ في داخله، لا يُكسَرُ ببرودةِ العراء".
الأملُ يا صديقي ليس وهمًا ننسجهُ للهروبِ من واقعٍ قارس، بل هو يقينٌ عميقٌ كجذورِ الياسمين؛ يقينٌ بأن كلّ قطرةِ مطرٍ تنهمرُ اليوم، إنما تسقي أملاً خفياً، وأن السحابةَ المثقلةَ بالحزنِ والرمادِ ستنجلي حتماً.. لتمطرَ في روحك ياسميناً وسلاماً.
تأمّل هدوءَ المساء، وابقَ دافئاً من الداخل.
32 مشاهدة