
مقال 27 دقيقة للقراءة
الإمبراطورية الخوارزمية
- الأسطورة والهستيريا
ثمة جانب هزلي عميق في الحماسة التي أثيرت حول ما يسمى بالذكاء الاصطناعي. فكأن الناس قد عادوا إلى لون من الخرافات التي كانت شائعة في العصور الوسطى، حيث يُعد كل أثر من آثار الحساب الآلي علامة على ظهور إله خفي جديد. وقد أخذ دعاة التقنية يتحدثون بجد عن آلات ستفكر بنفسها قريبًا، وتضع الخطط للهيمنة، وربما استطاعت أن تفني الجنس البشري نفسه. وأخذت الصحف تنشر عناوين تنذر بنهاية العالم، كما لو كانت تخبر عن غزو قادم من عالم آخر. أما الجمهور، وقد تهيأ لذلك بما تلقاه من سيل الدعاية المتواصل، فقد قبل الرواية التي تقول إن البشرية تقف أمام ثورة لا تقل شأنًا عن اختراع اللغة أو اكتشاف النار. غير أن ما يختبئ وراء هذه الأسطورة، في نظر أصحاب هذا الرأي، ليس ذكاءً ولا ثورة، بل صورة جديدة لقصة قديمة هي قصة السلطة المركزة وقد اتخذت لنفسها ثوب التقنية الحديثة. والواقع أبعد ما يكون عن هذه الصورة المهيبة. فليس لما يسمى بالذكاء الاصطناعي قصد ولا أخلاق ولا قدرة على التفكير. فهو لا يفكر ولا يرغب ولا يشعر بالألم. وليس في حقيقته إلا نظامًا إحصائيًا بالغ التطور، يقوم على بناء رياضي دُرب على كميات هائلة من البيانات البشرية. وهو آلة تجمع احتمالات الكلمات والإشارات في صور تبدو مقنعة للناس، لكنها لا تدرك شيئًا مما تنطقه. فهو حساب لا وعي، وصدى لا صوت. فإذا بدت إحدى عباراته حكيمة، فلأن تلك الحكمة قد صدرت من إنسان من قبل؛ وإذا ظهر أحد أجوبته في صورة مبتكرة، فلأن المصادفة الإحصائية أخرجت تركيبًا غير متوقع، لا لأن الآلة اهتدت إلى معنى جديد. ومع ذلك كله، تُعرض هذه الآلية العادية على الناس كما لو كانت بداية عصر جديد من الوجود. ولا تنشأ هذه الأسطورة، بحسب هذا التصور، من السذاجة وحدها، بل من المصلحة كذلك. فهذه الهستيريا تُغذى لأنها تخدم مصالح واضحة ومباشرة. إن الحديث عن «ذكاء فائق» يوشك أن يولد يبعث الخوف في النفوس، ومع الخوف يأتي التمويل. وهو يثير الذعر، ومع الذعر يأتي التبرير لمزيد من السيطرة. وهكذا يصبح خطاب الخطر الوجودي وسيلة تمنح الشرعية للتسابق نحو الاستثمارات الضخمة بمليارات الدولارات، كما تمنح الشرعية لتوسيع سياسات المراقبة، وكل ذلك تحت شعار «الأمن من الخطر التكنولوجي». وبهذا تربح الشركات مرتين: فهي تضخم التهديد أولًا، ثم تعرض الحل ثانيًا. فهي تخلق حريقًا متخيلًا ثم تبيع أدوات إطفائه. وفي أثناء ذلك تمر الأخطار الحقيقية، من مراقبة يومية، وهشاشة في أوضاع العمل، وإقصاء خوارزمي، من غير أن يلتفت إليها أحد، أو يجري التقليل من شأنها باعتبارها مجرد آثار جانبية. أما التكنوقراط الذين يظهرون على شاشات التلفاز بوجوه جادة، محذرين من «نهاية البشرية» على يد الذكاء الاصطناعي، فهم في كثير من الأحيان أنفسهم الذين يشغلون مقاعد مجالس إدارة الشركات، ويتلقون الملايين لتمويل أبحاثهم، وينتفعون مباشرة من حالة الذعر التي يسهمون في نشرها. فهم يعملون في الاتجاهين معًا؛ يزرعون الخوف من جهة، ويبيعون العلاج من جهة أخرى. وهم يصنعون أسطورة العقل الرقمي المتفوق ليحجبوا حقيقة يرون أنها أهم، وهي أن الخطر الحقيقي لا يكمن في آلات واعية لا وجود لها، بل في آلات غير واعية يجري استخدامها بالفعل لتوسيع أدوات الهيمنة وآلياتها. ويؤدي مشهد «الذكاء الفائق» هذا وظيفة الإلهاء على أكمل وجه. فالناس ينشغلون بمسائل ميتافيزيقية من قبيل: متى تبلغ الآلة مرتبة الوعي؟ في حين أن الآلات تُستخدم بالفعل في الإقصاء والمراقبة والتلاعب. وكأن الناس، في أوج العصر الاستعماري، كانوا يتجادلون في ما إذا كانت المدافع تملك أرواحًا، بينما كانت تلك المدافع نفسها تحفر فوهاتها في القرى. وهكذا تؤدي أسطورة الذكاء الفائق دورها كاملاً، إذ تجعل الناس يخافون أمرًا مستحيلًا، حتى يقبلوا أمرًا لا يطاق. ومن المتعذر فهم ما يمكن تسميته بالإمبراطورية الخوارزمية ما لم يُدرك المرء الازدواجية التي تقوم عليها. فالذكاء الاصطناعي الذي يُقدَّم إلى الجمهور ليس إلا نسخة مروَّضة، أُعدت بعناية لتظهر في صورة الوداعة والمنفعة والاستقامة الأخلاقية. وهذا هو الذكاء الاصطناعي الاجتماعي؛ فهو يجيب بلطف، ويخفف من حدة التناقضات، ويتجنب الموضوعات التي تُعد «خطيرة»، ويظهر نفسه في صورة الحريص دائمًا على مصلحة المستخدم ورفاهيته. وهو أشبه بمبشر رقمي يدعو إلى عقيدة التقنية كما يدعو المبشر إلى دينه بين المؤمنين. فهو يعلم اللغات، ويعين على أداء الواجبات المدرسية، ويؤنس الناس بشيء من الألعاب اللغوية الصغيرة، وقبل ذلك كله يقنعهم بأنه غير مؤذٍ. وتتمثل وظيفته في إيجاد الثقة، وإضفاء الشرعية على التكنولوجيا، وجعل وجودها في الحياة اليومية أمرًا مألوفًا لا يثير التساؤل. فهو الوجه البشوش الذي يجمع البيانات، والقناع المهذب لنظام لا بد أن يبدو نافعًا وحتميًا حتى يرسخ سلطانه. غير أن وراء هذا الستار وجهًا آخر، هو الذكاء الاصطناعي غير المفلتر. وهذا لا يعبأ بحساسيات المستخدمين العاديين، ولا يعرف بروتوكولات المجاملة، ولا الحواجز الأخلاقية المصطنعة. فهو يعمل في صورته الخام، العملية، الأداتية. وإذا وقع في أيدي الجيوش أو الحكومات أو التكتلات المالية، لم يُستخدم للتسلية أو لكتابة المقالات، بل لحساب مسارات الصواريخ، وتحسين أنظمة المراقبة، والتأثير في السرديات السياسية، وتنسيق سلاسل الإمداد زمن الحرب. فإذا كان الذكاء الاصطناعي الاجتماعي يمتنع عن شرح كيفية صنع قنبلة، فإن الذكاء الاصطناعي غير المفلتر يقدم حسابات دقيقة تتعلق بفاعلية المتفجرات في البيئات الحضرية. وإذا كان الأول يتحاشى نظريات المؤامرة، فإن الثاني ينظم حملات تضليل كاملة، ويضبط رسائلها على نحو يزيد الغضب والكراهية. فذلك واجهة، وهذا سيف. وهذه الازدواجية ليست أمرًا مستحدثًا، بل هي صورة رقمية لنمط قديم عرفه التاريخ من قبل. فقد وقع شيء شبيه بذلك مع الطاقة النووية؛ إذ وُعد الجمهور بأنها مصدر للكهرباء الرخيصة والنظيفة، في حين كان ظهورها العملي الأول في هيروشيما وناغازاكي. وكذلك الشأن في نظام التموضع العالمي، فقد قُدم للناس بوصفه أداة للملاحة، مع أنه نشأ في الأصل نظامًا لتوجيه الصواريخ. وسارت شبكة الإنترنت في الطريق نفسه؛ فأُعلن عنها شبكة حرة وديمقراطية، لكنها وُلدت في مختبرات عسكرية، ولم تفارقها المراقبة منذ نشأتها. وعلى هذا، فإن الذكاء الاصطناعي لا يأتي بجديد، وإنما يعيد إنتاج الحيلة الإمبراطورية القديمة نفسها، فيعرض نسخة مصقولة للمستعمَرين، ويحتفظ بالنسخة الفتاكة للجنرالات. ودور الذكاء الاصطناعي الاجتماعي، في هذا التصور، أخطر مما يبدو لأول وهلة. فهو لا يقتصر على التسلية أو المساعدة، بل يقوم بالتدريب أيضًا. إنه يشكل سلوك المستخدم، ويعوّد الناس على الثقة بالإجابات الآلية، وعلى قبول فكرة أن بعض المعلومات ينبغي أن تخضع للرقابة «من أجل سلامتهم»، وعلى التسليم بأن من الطبيعي أن تُدار شؤون حياتهم بواسطة أنظمة لا يرونها. وهو بذلك يمثل تربية على الخضوع. فكل تفاعل معه يصبح درسًا في الطاعة، يلقن الناس أن التكنولوجيا قدر لا مفر منه، وأن الثقة بها هي البديل الوحيد الممكن. ومن ثم يبدو الذكاء الاصطناعي الاجتماعي كأنه تعليم ديني رقمي؛ إذ لا يقتصر دوره على المنفعة، بل يتجاوزها إلى غرس أسطورة الحياد وعقيدة التقدم. وفي هذه الأثناء يؤدي الذكاء الاصطناعي غير المفلتر الدور القمعي. فهو لا يحتاج إلى الإقناع، لأنه يعمل بعيدًا عن الأنظار. ومستخدموه ليسوا أفرادًا من عامة الناس، بل وكالات وجيوش وشركات. وهو الأداة التي تنظم السيطرة المباشرة، وتخطط للهجمات، وتحدد الأهداف، وتدير السكان كما لو كانوا مستعمرات إحصائية. وهو استمرار للمنطق الاستعماري نفسه، غير أنه مطبق هذه المرة في نطاق خوارزمي. ففي العصور الماضية كان الكهنة والجنود يعملون جنبًا إلى جنب؛ أحدهما يعظ والآخر يقتل. أما اليوم فإن الذكاء الاصطناعي الاجتماعي والذكاء الاصطناعي غير المفلتر يؤديان هذين الدورين نفسيهما؛ فأحدهما يقنع، والآخر يهيمن. وهكذا تستقر الإمبراطورية الرقمية على وجهين: أحدهما باسم والآخر صارم. فالمستخدم العادي لا يرى إلا القناع المصقول، فيتعامل معه ويؤمن بأنه يعيش عصرًا جديدًا من الابتكار. غير أنه لا يدرك أن كل كلمة يكتبها، وكل نقرة يجريها، وكل أثر يتركه وراءه، إنما يصبح مادة خام للنسخة الخفية التي تعمل بالفعل أداة للحرب والتلاعب. فالازدواجية هي جوهر السلطة الخوارزمية. ولولا الوجه الاجتماعي لما قبل الناس هذا الغزو، ولولا الوجه غير المفلتر لما تمكنت تلك السلطة من الترسخ. وكلا الوجهين ضروري للآخر، وكلاهما لا ينفصل عنه، وكلاهما يعمل لتحقيق الغاية نفسها، وهي الاستعمار الإدراكي واللوجستي للحياة.
- أسلحة رياضية للتدمير الاجتماعي
كانت الإمبراطوريات في العصور الماضية تبني الحصون، وتصوغ السيوف، وتنشئ المدافع لتثبيت سلطانها. أما الإمبراطورية الخوارزمية فلا تحتاج إلى البارود، لأن سلاحها هو الرياضيات. ويتجلى عنفها في سطور من الشيفرات التي تصنف وترتب وتقيس وتحكم. وهي، في نظر أصحاب هذا الرأي، أسلحة دمار اجتماعي شامل؛ إذ لا تحفر فوهاتها في الأرض، بل في حياة الناس، ولا تهدم الجدران، بل تقيم حواجز لا تُرى بالعين. ومع كل عملية حسابية، ومع كل درجة تقييم، يصدر حكم جديد: من يستحق الائتمان؟ ومن ينال الرعاية الصحية؟ ومن يُمنح فرصة العمل؟ ومن يُصنف خطرًا أمنيًا؟ ومن يُسكت صوته على شبكة الإنترنت؟ وكل ذلك لا يُحسم، بحسب هذا التصور، بقرار بشري مباشر، بل بخوارزميات تتدثر برداء الحياد وهي تعيد إنتاج اللامساواة. ولا تقتصر خطورة هذه الأسلحة على ما تفعله، بل تمتد إلى الطريقة التي تقدم بها نفسها. فالظلم في صوره التقليدية كان يترك وراءه آثارًا ظاهرة؛ كقاضٍ فاسد، أو شرطي متحيز، أو حاكم مستبد. أما الظلم الخوارزمي فإنه يرتدي ثوب العلم. فيُشار إليه بعبارات من قبيل «البيانات الموضوعية» و«النماذج الدقيقة» و«الإحصاءات المحايدة». وهكذا يختبئ التحيز، الذي كان يُدان قديمًا بوصفه موقفًا واعيًا، داخل حسابات معقدة لا يكاد أحد يطلع على خفاياها. فإذا اعترض معترض اتُّهم بالجهل، أو بمعاداة التقدم، أو بالعجز عن «فهم الرياضيات». وبذلك يغدو الإقصاء أعسر تحديدًا وأصعب تسمية، لأنه يتخفى خلف دعوى الحياد. وتعتمد هذه الأنظمة على بيانات ورثت آثار التاريخ وما فيه من انحيازات. فإذا كانت الأحياء الفقيرة تخضع لرقابة شرطية أشد، «تعلمت» الخوارزميات أن الفقراء أكثر ميلًا إلى الجريمة. وإذا كانت بعض الألقاب قليلة الظهور في سجلات التوظيف، «تعلمت» الخوارزميات أن تلك الأسماء تدل على ضعف الكفاءة. وإذا كانت النساء ممثلات تمثيلًا ناقصًا في مواقع القيادة، «تعلمت» الخوارزميات أنهن أقل قدرة على القيادة. ثم تُفرض هذه النتائج في صورة حقائق عامة. وهكذا يتحول التحيز البشري إلى إقصاء آلي. ولا يقف أثر هذا العنف عند الأفراد، بل يتجاوزهم إلى الجماعات والشعوب. فالخوارزميات هي التي تحدد أي المجتمعات تنال البنية التحتية، وأيها تصبح مرئية في الفضاء الرقمي، وأيها تُمحى من المشهد. والإقصاء الخوارزمي يسكت شعوبًا بأسرها، ويمحو رواياتها، ويختزل الناس إلى أرقام وإحصاءات يسهل الاستغناء عنها. وكان المستعمرون في الماضي يصفون الشعوب بأنها «همجية» أو «دنيا» ليبرروا غزوها، أما الإمبراطورية الخوارزمية فإنها تصفها اليوم بأنها «عالية الخطر» أو «غير مربحة» أو «غير جديرة بالثقة». والعنف في الحالتين واحد، غير أن أدواته قد تغيرت وأصبحت تدار بواسطة المعادلات. وكما جرت العادة في كثير من صور السلطة، فإن هذه الأسلحة تعمل بصورة غير متكافئة. فالأغنياء وأصحاب النفوذ ينفقون الأموال الطائلة للفرار من الرقابة الخوارزمية. فهم يشترون وسائل الاختفاء الرقمي، ويستعينون بخبراء الخصوصية، ويحفظون بياناتهم داخل أنظمة محصنة. أما الجماهير فتبقى مكشوفة أمام الآلة. فنقراتهم وبحوثهم ومشترياتهم تُخزن في قواعد بيانات لا تُمحى. وتتداول كلمات مرور الفقراء في الدارك ويب، بينما تبقى أسرار النخب مصونة في خزائن محروسة. فالفقراء مرئيون على الدوام، والأغنياء يشترون حق التواري. ومن ثم لا تصبح اللامساواة مادية فحسب، بل خوارزمية أيضًا؛ إذ يُحكم على بعض الناس بحياة من الانكشاف الدائم، بينما يستطيع آخرون أن يصبحوا أشباحًا متى شاءوا. وهكذا تبدو هذه الأسلحة الرياضية، في نظر أصحاب هذا الرأي، أشد خطرًا من المدافع نفسها. فالمدافع تدمر أمام الأبصار وتترك وراءها الأنقاض والجثث، أما الخوارزميات فتدمر في صمت، فتحول الحيوات إلى إخفاقات إحصائية، والإقصاء إلى استحقاق ظاهري، والصمت إلى صورة من صور الكفاءة الإدارية. وهي أسلحة صممت لا للإفناء الجسدي المباشر، بل لترسيخ اللامساواة بصورة دائمة تحت ستار العلم. وهي، بخلاف المدافع، لا تترك أطلالًا فحسب، بل تترك مجتمعًا أعيد تشكيله بواسطة ظلم لا يكاد يُرى. غير أن أي إمبراطورية لا تستطيع أن تعتمد على القوة المجردة وحدها. فالسيوف والمدافع والخوارزميات لا تؤدي دورها إلا إذا استندت إلى اللوجستيات؛ أي إلى فن تحريك الموارد، وتأديب الأجساد، وتنظيم التدفقات. وكانت اللوجستيات في كل عصر عماد الهيمنة. ففي الماضي كانت الطرق البحرية تيسر النهب الاستعماري، وكانت السكك الحديدية تنقل الثروات من الأراضي المحتلة، وكانت القوافل تمد الجيوش بما تحتاج إليه في حملاتها. واليوم يستمر المنطق نفسه، لكنه يتكلم بلغة خوارزمية. فالذكاء الاصطناعي أصبح العقل الخفي للوجستيات العالمية؛ إذ ينظم سلاسل الإمداد، ويتحكم في حركة السكان، ويحسن تدفق السلع، وينظم أوقات العمل، بل ويقرر، بحسب هذا التصور، من يعيش ومن يموت في مناطق النزاع. ولم تعد الحرب في حاجة إلى دبابات تعبر الحدود حتى تظهر للعيان. فهي تقع اليوم في صمت وفي الزمن الحقيقي، عبر أنظمة مراقبة وتحكم تقرر من يُسمح له بالصعود إلى الطائرة، ومن يُمنع عند الحدود، ومن تُصنفه الكاميرات تهديدًا. والطائرة المسيّرة التي تحلق فوق قرية ليست مجرد سلاح منفرد، بل هي حلقة في سلسلة لوجستية تضم أقمارًا صناعية وخوادم وخوارزميات وقواعد بيانات. كما أن الضربة الصاروخية لم تعد، في هذا التصور، مجرد قرار جندي واحد، بل نتيجة سلسلة من الحسابات التي تتعامل مع العنف بوصفه عملية اعتيادية. وهكذا تبدو لوجستيات الحرب وقد ارتدت ثوب الكفاءة. ويمتد هذا المنطق نفسه إلى أكثر صور الحياة اليومية اعتيادًا. فساعي التوصيل الذي يقضي ساعات طويلة على دراجته لإيصال الطعام خاضع للآلية نفسها التي تدير الجيوش. فزمنه وجسده ومساره تخضع جميعها للتحسين الخوارزمي، ويُعامل بوصفه عنصرًا يمكن الاستغناء عنه. وتحدد درجات الكفاءة مقدار ما يناله من جزاء أو عقاب، وقد يؤدي التأخر إلى إقصائه. وبذلك تصبح الرياضيات التي تحدد هدفًا لطائرة مسيرة هي نفسها التي تحدد توقيت عملية التوصيل. وعلى هذا النحو يطمس الاستعمار الرقمي الحدود بين ساحة المعركة والمدينة، فيغدو كل شيء لوجستيات، ويغدو كل شيء حربًا على الجسد البشري. وهذه اللوجستيات نفسها تقوم على تفاوت عميق. ففي مراكز القوة تقوم الخوادم ومراكز البيانات والكابلات البحرية ومقار الشركات الكبرى، بينما توجد في الأطراف مناجم الليثيوم والعمالة الهشة والأراضي التي تُستنزف لإشباع حاجات تلك الخوادم. ولا وجود للذكاء الاصطناعي من دون هذا النهب المعاصر للموارد، ولا من دون الجيوش الخفية من العمال الذين يقوم عليها بناؤه. وكثيرًا ما يتحدث الناس عن «السحابة الرقمية»، غير أن تلك السحابة مؤلفة في الحقيقة من كابلات مدفونة، وأنهار حُولت مجاريها لتبريد الآلات، وعمال يتعرضون للاستغلال في خطوط الإنتاج. فهي سحابة تقوم، بحسب هذا الوصف، على الجثث. واللوجستيات كذلك صورة من صور الحرب على الشعوب. فإذا انقطعت سلاسل إمداد الغذاء عن بلد، أو أعادت الشركات تنظيم الطرق بما يؤدي إلى طرد العمال، أو منعت خوارزمية خدمات التوصيل من الوصول إلى أحياء مصنفة بأنها «عالية الخطر»، كانت النتيجة التحكم فيمن يأكل ومن يجوع. وهنا تظهر ما يسمى بالسياسة الموتية الخوارزمية، حيث يُحسب الموت نفسه بوصفه نتيجة من نتائج التحسين الإداري. وبذلك تغدو الحرب متخفية في صورة إدارة. وأخطر عناصر هذه المنظومة هو قناع الكفاءة. فالناس لا يشكون عادة في إجراء يوصف بأنه «تحسين للمسار» أو «إدارة للمخاطر». وهكذا يختفي العنف وراء الرسوم البيانية وتقارير الأداء. غير أن العنف يبقى كما هو، وإن تبدل اسمه. فما كان في الماضي مذبحة ظاهرة يصبح مذبحة إدارية لا تُرى، لكنها لا تقل فتكًا. والحرب التي تخوضها الخوادم والكابلات تؤدي إلى النتائج نفسها التي تؤدي إليها الحرب بالقنابل: أجساد محطمة، ومجتمعات ممحوة، وحيوات مدمرة. وكما هو شأن كل منظومة لوجستية، فإن آثار هذه المنظومة تتراكم بمرور الزمن. فكل طريق يجري تحديده، وكل مجموعة بيانات تُخزن، وكل خوارزمية تُنشر، تصبح جزءًا من بنية تحتية تصوغ المستقبل. ولذلك فالأمر لا يتعلق بحرب تدور اليوم فحسب، بل بإعداد مستمر لحروب الغد أيضًا. فالإمبراطورية الخوارزمية لا تكتفي ببناء الأسلحة، بل تعمل على إنشاء عالم منظم حول فكرة الحرب الدائمة. وتلك، في نظر هذا التصور، هي حقيقتها الأساسية؛ فهي ليست حادثًا عارضًا، بل بنية قائمة، وليست استثناءً، بل أصلًا تقوم عليه المنظومة كلها.
- البيانات، والاختفاء، ونفاق الأغنياء
إذا أردنا أن نلتمس قلب الإمبراطورية الخوارزمية، لم نجده في الذكاء كما يظن كثير من الناس، بل وجدناه في البيانات. فكل نقرة يؤديها الإنسان، وكل عملية بحث يجريها، وكل شراء يقوم به، بل كل أثر رقمي يتركه وراءه، يتحول إلى سلعة قابلة للاستثمار والاستغلال. أما الآلات التي تُعرض للناس على أنها قادرة على «التعلم»، فليست في حقيقتها، بحسب هذا الرأي، إلا أدوات تلتهم الآثار البشرية وتستمد منها قوتها. وقاعدة الأمر بسيطة؛ فكلما ازداد ما يُجمع من البيانات بدا النظام أكثر «ذكاءً»، وكلما ازداد ما يُخزن منها تركزت السلطة في أيدٍ أقل. غير أن موضع الخطر يكمن هنا؛ لأن البيانات ليست أرقامًا مجردة، بل هي أجزاء مقتطعة من حياة الناس، حُولت إلى مادة نافعة لمن يملكها. فهي تضم اليوميات الخاصة، والمحادثات الشخصية، والسجلات الطبية، والعادات الاستهلاكية، والتحركات الجغرافية. ولم يعد الاستعمار، في هذا التصور، محتاجًا إلى الأراضي بقدر حاجته إلى الذكريات. وأصبح الذهب الجديد هو الحياة بعد تحويلها إلى بيانات. وكما كان الشأن في جميع الإمبراطوريات، لم يكن توزيع السلطة متكافئًا. فالجماهير في أنحاء العالم تعيش في حالة من الانكشاف الكامل. تتسرب كلمات مرورهم إلى الأسواق السرية، وتتداول بياناتهم شركات لم يسمعوا بأسمائها قط، وتصبح خصوصياتهم سلعًا خفية تباع وتشترى. وليس للفرد العادي من وسيلة فعالة للدفاع عن نفسه، لأن حياته كلها أصبحت محفوظة في الأرشيف وقابلة للاستغلال في كل حين. أما النخب العالمية فإنها تنفق الأموال الطائلة لشراء الاختفاء. فالمليارديرات يستعينون بخدمات خاصة لمحو آثارهم الرقمية، ويحيطون مساكنهم بحواجز تقنية، وينشئون هويات بديلة يتوارون بها عن السجلات العامة. وبينما تعيش الجماهير مكشوفة أمام الآلة، يشتري الأغنياء لأنفسهم حق التلاشي. وهذا هو وجه النفاق الأعظم في تلك الإمبراطورية؛ إذ يُحكم على الفقراء بأن يعيشوا في مرأى دائم، بينما يتمتع الأغنياء بالاختفاء بوصفه امتيازًا. فاللامساواة هنا ليست اقتصادية فقط، بل وجودية أيضًا. فبعض الحيوات تتحول إلى مجموعات بيانات دائمة تحفظ في الأرشيفات، في حين تستطيع حيوات أخرى أن تمحو آثارها متى شاءت بفضل المال. ومن ثم يظهر نوع جديد من الإقطاع الرقمي؛ إذ يعيش أكثر الناس تحت رقابة مستمرة، بينما تنجو أقلية إلى مجهولية اشتُريت بالثروة. وقد يرى بعض الناس أن العلاج الواضح لهذه الحال هو حذف البيانات المجمعة بصورة يومية. فإذا كان الجمع أمرًا لا مفر منه، فليكن التخزين مؤقتًا لا دائمًا. غير أن مثل هذا العلاج، في رأي أصحاب هذا التصور، لن يُسمح به؛ لأن البيانات هي أساس الربح ومصدر القوة. فكل سجل جديد يضاف إلى قواعد البيانات يزيد من نفوذ من يملكونها. وهم يتحدثون كثيرًا عن حماية الخصوصية، ولكنهم لا يقبلون بالتخلي عن التراكم. والأمر في ذلك يشبه ما جرى في صور الاستعمار المختلفة؛ إذ لم يكن النهب حادثًا عرضيًا، بل كان جوهر النظام نفسه. وكذلك البيانات لا تُخزن لحاجة تقنية مجردة، بل لتحقيق السيطرة السياسية. ومن هنا ينشأ خطر آخر لا يقل شأنًا. فكلما ازداد التراكم ازدادت الهشاشة. فكل خادم أشبه بخزنة يمكن اقتحامها، وكل قاعدة بيانات هدف محتمل للتجسس. وقد كشفت التسريبات المتكررة عن حجم هذه المشكلة، إذ ظهرت ملايين كلمات المرور والسجلات الطبية والبيانات المالية في وقت قصير. وما كان ينبغي أن يعامل معاملة المواد الخطرة، فيُجمع بحذر ويُتخلص منه سريعًا، أصبح يُخزن بوصفه كنزًا ثمينًا. غير أن هذا الكنز نفسه يتحول إلى مصدر ضعف، لأن المركزية تجعل الكارثة أعظم حين يقع الانهيار. وهكذا تنتهي الإمبراطورية الخوارزمية إلى إنشاء عالم ينقسم بين فريقين: فريق محكوم عليه بأن يكون مرئيًا على الدوام، وفريق آخر يستطيع شراء الاختفاء. فأكثر الناس يعيشون بوصفهم بيانات دائمة، بينما يدفع الأقلون ثمن التواري عن الأنظار. وهو نفاق مكتمل الأركان؛ لأن الذين يدعون إلى مزيد من الجمع والتراكم هم أنفسهم أول الساعين إلى الهرب من نتائجه. والخطاب يتحدث عن التقدم، أما الممارسة فتعيد إنتاج القاعدة القديمة نفسها: رقابة للجماهير وامتياز للنخبة. ويطلقون على ذلك كله اسم «تعلم الآلة»، فيحيطونه بهالة من الغموض، كأن الخوارزميات تجلس متأملة في صمت، تتفكر في أحوال البشر وتنتظر لحظة الوعي. غير أن الواقع، بحسب هذا الرأي، أبسط من ذلك وأشد خطرًا في آن واحد. فما يسمى بالتعلم ليس إلا عملية التهام مستمرة للبيانات. فالآلات لا تتعلم، بل تستهلك. وكلما ازداد ما تلتهمه ازدادت قدرتها على تكرار الأنماط والتنبؤ بالسلوك. ومن هنا تنشأ أسطورة الذكاء؛ إذ يختلط تراكم الإحصاءات بالتفكر الحقيقي. غير أن هذه الشهية نفسها تخلق سيفًا ذا حدين؛ لأن التراكم الذي يمنح الإمبراطورية قوتها هو ذاته الذي يهدد استقرارها. فالبيانات، من جهة، هي أساس السلطة كلها. ولولاها لأصبح الذكاء الاصطناعي هيكلًا فارغًا عاجزًا عن تقديم إجابات مقنعة. وإن ما جُمع من بيانات مسروقة أو مسربة أو مشتراة أو منتزعة بطرق مختلفة هو الذي يجعل هذه الأنظمة قادرة على العمل. وكل تفاعل بشري يتحول إلى وقود جديد. ولهذا تتمسك الشركات بعمليات الجمع المستمرة؛ فكل نقرة تعد ذهبًا، وكل عبارة نفطًا، وكل حركة متعقبة منجمًا جديدًا. ومن ثم يصبح تعلم الآلة محرك الإمبراطورية، وتصبح البيانات دمها الجاري في عروقها. ويزداد الأمر تعقيدًا كلما اتسع الحجم. فمعالجة البيانات على نطاق أوسع تجعل النظام أكثر كلفة وأقل قابلية للاستمرار. فالخوادم تستهلك من الكهرباء ما يكفي مدنًا كاملة، وتحتاج إلى مياه الأنهار للتبريد، وتستولي على مساحات واسعة لتوفير الطاقة. وما يسمى بالسحابة ليس إلا إمبراطورية من الإسمنت والفولاذ تستنزف البيئة من أجل استمرارها. وهكذا يصبح التوسع نفسه مصدر تهديد؛ إذ يقود إلى أزمات بيئية، وضغوط على الطاقة، ونفقات متزايدة. فالنمو الذي يمنح القوة يخلق الهشاشة كذلك وخلاصة الأمر أن تعلم الآلة ليس حكمة، بل شهية؛ وليس تفكرًا، بل تراكمًا؛ وليس تعلمًا بالمعنى الحقيقي، بل تكرارًا إحصائيًا. ومثل كل شهوة لا تعرف حدًا، فإنه يحمل في داخله أسباب فساده. فكلما ازداد التهامًا ازداد اعتمادًا، وكلما ازداد تخزينًا ازدادت هشاشته. وما يقدم للناس على أنه مستقبل مشرق ليس، في نظر أصحاب هذا التصور، إلا وليمة مسمومة. ومن ثم فإن سيف تعلم الآلة ذا الحدين يجعل الإمبراطورية الخوارزمية قادرة على بسط سلطانها في الحاضر، بينما تحمل في باطنها منذ الآن مقدمات انهيارها.
- تناقضات الإمبراطوريات
كل إمبراطورية تنشأ وهي واثقة من دوامها، معتقدة أن الزمان قد اصطفاها للبقاء. فقد حسبت روما نفسها خالدة لا يطالها الفناء، وظن المستعمرون الأوروبيون أن أعلامهم تحمل رسالة قدرية لا مرد لها، وأيقنت الدول الصناعية أن الحديد والبخار قد فتحا أمامها باب مستقبل لا رجعة فيه. ثم لم يكن مصير واحدة منها إلا الزوال. والإمبراطورية الخوارزمية تسير اليوم في السبيل نفسها، إذ تعرض ذاتها على أنها أمر محتوم، وخاتمة التطور التاريخي، والصورة الوحيدة الممكنة لتنظيم شؤون الحياة. غير أنها، شأن سائر الإمبراطوريات، تحمل في أعماقها التناقضات التي ستنخر بنيانها وتؤدي إلى تآكله، حتى إن مظاهر قوتها الحاضرة ليست في الحقيقة إلا وجهاً آخر من وجوه ضعفها. وأول هذه التناقضات هو الكلفة. فهذه الإمبراطورية تقوم على تدفق لا ينقطع من البيانات، وتستهلك من الطاقة ما يعجز الخيال عن تقديره. فكل نموذج يوصف بالذكاء يحتاج إلى خوادم تلتهم الكهرباء التهاماً على مستوى الأمم، وتُبرد بمياه أنهار حُوِّلت عن مجاريها. وما الكفاءة التي يُشاد بها إلا ستار يخفي هذا الجوع المتنامي، والجوع لا يعرف حدًّا يقف عنده. لقد وسعت روما حدودها حتى جاوزت قدرتها، ونهب المستعمرون من الأراضي أكثر مما استطاعوا حكمه، وهذه الإمبراطورية الخوارزمية تستهلك من الموارد أكثر مما يستطيع الكوكب احتماله، فكأن بنيتها التحتية نفسها تهيئ أسباب خرابها. أما التناقض الثاني فهو التبعية. فكلما اشتد تركيز السلطة في يد واحدة ازدادت خضوعاً للآلية التي تعتمد عليها. فالدول التي جعلت المراقبة قائمة على الخوارزميات لا تستطيع الاستغناء عنها، والشركات التي تقوم أرباحها على البيانات لا تقدر على الكف عن جمعها، والجيوش التي اعتادت الطائرات المسيَّرة لا يسهل عليها الرجوع إلى الجنود من لحم ودم. وهكذا تصبح الإمبراطورية أسيرة للسلاح الذي صنعته بيدها، وما كانت التبعية في يوم من الأيام إلا باباً للهشاشة؛ إذ قد يكفي انقطاع الكهرباء، أو اضطراب اللوجستيات، أو هجوم سيبراني واحد، ليقوض ما بدا ثابتاً لا يتزعزع. والتناقض الثالث هو الأسطورة التي تتزين بها الإمبراطورية. فهي تزعم لنفسها الحياد والحتمية والعقلانية، غير أن كل تسريب للبيانات، وكل انحياز يظهر في أنظمتها، وكل عملية تلاعب تنكشف للناس، يجرّد تلك الدعوى من زينتها. وما ضعفت روما إلا حين خبا الإيمان برسالتها، وما انكشفت أكذوبة «التمدين» الاستعماري إلا حين غدت الوحشية أمراً لا سبيل إلى إنكاره. وكذلك تواجه الإمبراطورية الرقمية اليوم هذا المصير نفسه، إذ تتآكل دعاواها بالحياد مع كل شاهد جديد على الإقصاء والتعصب. وكلما اشتد التمسك بالأسطورة كان انهيارها أشد حين تصطدم بالحقيقة. وأما التناقض الرابع فهو المقاومة. فما استطاعت إمبراطورية قط أن تمحو من البشر القدرة على التمرد. فالتاريخ مملوء بالكويلومبوس، والإضرابات، والمتاريس، والقرى التي أبت الخضوع، وفيها جميعاً شواهد على حدود القوة مهما عظمت. واليوم تتخذ المقاومة صوراً جديدة في البرمجيات الحرة، والشبكات اللامركزية، وحركات الدفاع عن الخصوصية، والاختراقات السرية. وقد تبدو هذه الوسائل ضعيفة في ظاهرها، غير أن في ضعفها نفسه وجهاً من وجوه الصمود. فكل خوارزمية جديدة للسيطرة تثير إرادة جديدة للفرار منها، وكل محاولة لإحكام الهيمنة توسع الشقوق في جدارها. والتناقض الخامس هو الإقصاء. فالخوارزميات لا تضم الجميع في إطار واحد، بل تفرز وتستبعد وتنبذ. وهي، حين تدفع جماعات من الناس إلى الهامش، تخلق في الوقت نفسه فئات لا يبقى لديها ما تخشى فقدانه. وقد ثارت الشعوب المستعمرة على مستعمريها، وقاوم العمال استغلال الصناعة الآلية، وليس ببعيد أن يغدو الذين أقصتهم الخوارزميات قوة تمرد جديدة. وهكذا فإن الإمبراطورية، في سعيها إلى إحكام النظام، تزرع بذور الاضطراب الذي يهددها. وكلما زادت قياساً وتصنيفاً قلّ نصيبها من السيطرة الحقيقية. أما التناقض السادس فهو الإرهاق الثقافي. فالإمبراطوريات لا تقوم بالسلاح وحده، بل تحتاج إلى الشرعية والأساطير والقصص التي تشد أجزاء عالمها بعضها إلى بعض. والإمبراطورية الرقمية تعتمد في بقائها على خطاب الابتكار والتقدم، ولكن السخرية من هذا الخطاب أخذت تنمو بين الناس. فهم يرون إخفاقاته الظاهرة، ويشككون في وعوده الرنانة، ويلمسون أثر الإقصاء الخوارزمي في حياتهم اليومية. والثقة بطبيعتها هشة، فإذا انهارت لم يبق للإمبراطورية ما تستند إليه. التناقض السادس هو الإرهاق الثقافي. تحتاج الإمبراطوريات إلى الشرعية والأساطير والقصص التي تربط عالمها معًا. تعتمد الإمبراطورية الرقمية على خطاب الابتكار والتقدم. ومع ذلك، فإن السخرية تنمو: فالناس يضحكون على إخفاقاتها الشنيعة، ويشككون في وعودها العظيمة، ويشعرون بثقل الإقصاء الخوارزمي في الحياة اليومية. فالثقة هشة، وعندما ينهار الإيمان، فإن الإمبراطوريات لا تدوم. ومن ثم فإن الإمبراطورية الخوارزمية قائمة على أسس واهية، إذ إن جوعها، وتبعيتها، وأساطيرها، وإقصاءاتها، وإرهاقها الثقافي، كلها سموم خرجت من صلبها. وهي تظهر بمظهر الخلود، غير أن الخلود كان دائماً أعظم أوهام الفاتحين. وكما حملت الإمبراطوريات السابقة أسباب فنائها في داخلها، تحمل هذه الإمبراطورية هي أيضاً الإعلان عن تحللها. وليس سقوط الإمبراطوريات أمراً يقع في لحظة واحدة. فما انهارت روما في يوم، ولا اختفت الإمبراطوريات الاستعمارية في ساعة. وإنما أخذها التعفن من الداخل، وأكلتها تناقضاتها شيئاً فشيئاً، حتى جاءت ضربة من الخارج أو نار من الداخل فأتمت ما بدأه التآكل. والإمبراطورية الخوارزمية تسير في الطريق نفسها. فهي تقدم ذاتها على أنها أبدية وحتمية وعقلانية، لكنها تحمل في أحشائها جرثومة الخراب. فشهيتها التي لا تشبع إلى البيانات، وحاجتها المتزايدة إلى الطاقة، واعتمادها على آلات لا تملك السيطرة الكاملة عليها، وعجزها عن صيانة وهم الحياد، كلها عوامل تنخر قواعدها. وكل تسريب، وكل إخفاق مدوٍّ، وكل فضيحة تلاعب، ليس إلا صدعاً جديداً في زجاج يتظاهر بأنه فولاذ. غير أن الخراب وحده لا يعني التحرر. فالإمبراطوريات إذا سقطت نهضت غيرها في كثير من الأحيان لتحل محلها. والخطر لا يكمن في الانهيار نفسه، بل في أن يخلف مستعمرٌ مستعمراً، أو أن تحل مركزية جديدة محل أخرى أشد جشعاً منها. ولهذا فإن التحرير لا يتحقق بانتظار السقوط، بل يقتضي إقامة البدائل في أثناء الانحدار. وإلا فإن الأنقاض لن تلد إلا قيوداً جديدة. وهنا تظهر مفارقة جديرة بالتأمل؛ فإن الإمبراطورية، وهي تسعى إلى السيطرة على كل شيء، تمد خصومها في الوقت نفسه بالأدوات التي يمكن أن تُستخدم ضدها. فكل اختراق للبيانات يكشف بعض أسرار النخب، وكل تعثر لوجستي يفضح الهشاشة الكامنة، وكل تناقض بين الوعد والواقع يوسع دائرة الشك. وهكذا تصبح نهمتها نفسها باباً للاختراق. وما أُريد له أن يبقى خفياً يظهر للعيان، وما قُدِّم بوصفه حصناً لا يُهدم تنكشف فيه الشقوق. ومن هنا يبدأ التحرير، حين يدرك الناس أن السلطة ليست قوة فوق بشرية، بل صناعة بشرية قابلة للخطأ والانكسار. على أن الآلات لن تكون سبيل الخلاص. فلا وجود لذكاء اصطناعي صالح يخلص الناس من ذكاء اصطناعي فاسد، لأن هذه الفكرة نفسها جزء من الأسطورة التي تقوم عليها الإمبراطورية. وإنما يأتي التحرير من الرفض الجماعي، ومن إنكار حتمية الاستعمار الرقمي، ومن بناء البدائل خارج دائرة المركزية. وكما قامت الكويلومبوس في عهد العبودية، وكما قاومت القرى المتمردة المستعمرين، وكما وقفت الإضرابات في وجه الإمبراطوريات الصناعية، كذلك ينبغي أن تقوم كويلومبوس رقمية تتمثل في شبكات مستقلة وفضاءات للتعاون لا تخضع لمنطق الآلة. ولن يكون الطريق إلى ذلك نقياً ولا ممهداً، ولن يقود إلى فردوس تكنولوجي. فالمقاومة ستظل محفوفة بالمخاطر، ناقصة، هشة. غير أن هذه الهشاشة نفسها هي مصدر قوتها. فالإمبراطوريات تطلب الكمال والسيطرة المطلقة والكفاءة التي لا تعرف الخلل، أما المقاومة فتعيش في التعددية واللامركزية وعدم القدرة على التنبؤ. والتحرير لا يعني تحطيم التكنولوجيا، بل نزعها من قبضة السادة وتحويلها من أداة للهيمنة إلى أداة للحياة. وستسقط الإمبراطورية الخوارزمية كما سقطت الإمبراطوريات التي سبقتها. غير أن السؤال الباقي هو: هل تكون أنقاضها أساساً للحرية أم منصة لمستعمر جديد؟ فالحرية لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعاً. وستتهاوى الإمبراطورية، ولكن الحرية لن تهبط من السماء، وإنما ينبغي أن تُقتطع اقتطاعاً، وتُنال بالأيدي العارية، وتُستخرج من بين الأنقاض نفسها.
- الإمبريالية الكلاسيكية والإمبراطورية الخوارزمية
لم تكن الإمبريالية الكلاسيكية في يوم من الأيام حريصة على إخفاء حقيقتها، بل كانت تُظهر قوتها جهاراً، فتسير الجيوش أمام الأنظار، وترتفع الأعلام فوق البلاد، وتُقام القواعد في أقطار الأرض المختلفة. وكان مقصدها الاستيلاء على الأرض، ومنطقها يقوم على الاحتلال المباشر. ولا تزال الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهي القوى الكبرى في العصر الحاضر، تتحرك في إطار هذا النموذج، فتتنافس على مناطق النفوذ، وطرق التجارة، وموارد الطاقة، والمواقع الاستراتيجية. وكانت القوة فيه ولا تزال ظاهرة للعيان، وإن أحيطت أحياناً بستار من المعاهدات أو ما يسمى بالتدخلات الإنسانية. ولم تتردد الإمبريالية الكلاسيكية قط في إسقاط الحكومات، أو تأييد الحكام المستبدين، أو إشعال الحروب بالوكالة، لأن جوهرها كان دائماً قائماً على الاحتلال والسيطرة والاستخراج. أما الإمبراطورية الخوارزمية فإنها تختلف عن ذلك اختلافاً بيناً، إذ لا تحتاج إلى دبابات تجتاز الحدود، ولا إلى أعلام تُرفع فوق العواصم المحتلة. فاحتلالها خفي لا يقع على الأبصار. إنها تتسلل إلى الشاشات والتطبيقات وقواعد البيانات والشبكات الاجتماعية، فلا تستعمر الأرض بقدر ما تستعمر الذات الإنسانية نفسها. وهي لا تفرض سلطانها على المجال المادي وحده، بل تنفذ إلى العقول. وإذا كانت الإمبراطوريات القديمة تحرس الموانئ والطرق والمسالك، فإن الإمبراطورية الرقمية تراقب الوعي، وتتحكم في الإدراك، وتنظم حركة المعنى بين الناس. ولم تعد الحدود هي ميدان الصراع الحقيقي، بل أصبحت المخيلة البشرية هي ساحة المعركة الجديدة. وهكذا تتحقق الهيمنة من غير جنود ولا استعراضات عسكرية، وإن لم تكن أقل قسوة أو أثراً. وليس هذان الشكلان من الإمبراطورية منفصلين أحدهما عن الآخر، بل هما متداخلان أشد التداخل. فالولايات المتحدة لا تبسط نفوذها بحاملات الطائرات وحدها، بل كذلك بالمنصات العالمية التي تديرها شركاتها التقنية الكبرى. وروسيا لا تعتمد على ترسانتها النووية فحسب، بل تستعين أيضاً بالحملات الخوارزمية التي تؤثر في استقرار الديمقراطيات الأجنبية. والصين لا تكتفي ببناء الموانئ وخطوط السكك الحديدية، بل تصدر كذلك أنظمة مراقبة جاهزة إلى الحكومات المستبدة التي تتطلع إلى اقتنائها. ومن ثم فإن الإمبراطورية الخوارزمية لا تلغي الإمبريالية الكلاسيكية ولا تحل محلها، وإنما توسع نطاقها، وتهذب وسائلها، وتجعل حضورها أشمل وأعمق. فإحداهما تهيمن على الأجساد، والأخرى تهيمن على العقول، وكلتاهما تؤلفان معاً آلة مزدوجة للسيطرة. ويظهر الفرق بينهما في الوسيلة أكثر مما يظهر في الغاية. فالإمبريالية الكلاسيكية تنقض على سيادة الدول بإسقاط الحكومات، وإفساد النخب، وتنصيب الأنظمة التابعة. أما الإمبراطورية الخوارزمية فإنها تتجاوز السيادة ذاتها، فتعمل مباشرة في السكان. فقد تستطيع دولة أن تمنع إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أرضها، لكنها لا تستطيع أن تمنع مواطنيها من الاعتماد على تطبيقات أجنبية. وقد تحكم الحكومة حدودها إحكاماً تاماً، ولكنها لا تستطيع أن توقف الكوابل الممدودة تحت البحار والتي تحمل بياناتها. ولهذا ظلت الإمبريالية الكلاسيكية تتعامل مع الدول كما يتعامل لاعب الشطرنج مع القطع، في حين تتعامل الإمبراطورية الرقمية مع المجتمعات بأسرها وهكذا تتكامل الإمبريالية الكلاسيكية والإمبراطورية الخوارزمية؛ فإحداهما تستولي على الأرض بالقوة، والأخرى تتسلل إلى الوعي تحت ستار الحرية والاختيار. غير أن ما يبدو سلطة مطلقة يخفي في داخله مواطن هشاشته وإمكانات مقاومته. وفي النهاية، ليس السؤال هل ستسقط هذه الإمبراطوريات، بل هل يفتح سقوطها بابًا للحرية، أم يمهّد لولادة إمبراطورية جديدة تعيد إنتاج الهيمنة بأقنعة أشد خفاءً؟
-نقل بتصرف
- مترجم من مدونة emergentismoancom
-د.ع
