القهر حين يتجسد في قصة
لم يعرف هذا الطفل من الحياة إلا الجوع والخوف، ولم يعرف من طفولته إلا ما سُرق منها، حتى المدرسة التي كان يمكن أن تفتح له نافذةً على العالم، أُغلقت في وجهه قبل أن يتعلم كيف يقرأ الحياة.
كان يبيع المثلجات على شاطئ غزة، فيما كان أقرانه يحملون حقائبهم ويحلمون بمستقبل لا يعرف هو عنه شيئًا.
وحين أغراه ابن عمه بسرقة أبيه، لم يكن يدرك أنه يقف على حافة جريمة ستبتلع ما تبقى من عمره، ولم يكن يفهم أن أباه، رغم فقره وعجزه، كان كل ما تبقى له من العالم.
امتدت يده إلى أبيه، فامتدت الحياة إليه بأقسى وجوهها، وسقط الأب قتيلًا، وسقط معه آخر احتمال لأن يعرف ذلك الطفل معنى الأبوة والندم والفقد.
وفي زمن الحرب على غزة عام 2008، لم يُمنح الصغير فرصة ليفهم ما فعل، ولم يجد من يسأله كيف وصل إلى تلك اللحظة، ومن تركه حتى صار طفلًا يحمل جريمة أكبر من وعيه.
أُخذ هو وابن عمه، وانتهت حكايتهما برصاص الحكومة، كأن الرصاصة تستطيع أن تطوي صفحة المأساة من دون أن تقرأ ما كُتب فيها.
مات الطفل، ولم يتعلم كيف يكون ابنًا، ولم يعرف كيف يكون أخًا، ولم تتح له الحياة فرصة كافية ليفهم لماذا يحتاج الإنسان إلى أبيه، حتى حين يعجز الأب عن إطعامه.
لم يكن بريئًا من فعلته، لكن من يملك أن يزن ذنب طفل حُرم التعليم والرعاية والأمان، ثم يزعم أن العقاب وحده يحقق العدالة؟
لقد قُتل الأب بجريمة ابنه، وقُتل الابن بعقاب لم يمهله ليفهم، وبقيت خلفهما أسرة مكسورة وحكاية لا يستطيع أحد أن يعيد فيها الزمن دقيقة واحدة إلى الوراء.
جاء إلى الدنيا طفلًا، ودُفع إلى الجريمة قبل أن يفهم الحياة، ثم مات قبل أن يعرف أن وراء الظلام الذي عاش فيه عالمًا آخر، كان من حقه أن يراه.
34 مشاهدة
