
مقال دقيقتان للقراءة
قهوة وقلم
والحقّ يُقال إنني حاولت جاهدًا أن أمسك بالسرّ وراء تلك العلاقة العميقة بين القهوة، بوصفها مكانًا أو شرابًا، وبين الفكر والثقافة والمواقف، ولكني لم أجد الإجابة حتى الآن، فهل من مجيب؟!
ثَمَّةَ علاقةٌ عميقةٌ وقويةٌ جدًّا تجمع ما بين القهوة والكتابة، شعرًا كانت أو نثرًا. والقهوة عندنا في مصر لا تشير فقط إلى ذلك المشروب الذي استساغه الناس منذ زمن بعيد وحتى الآن، ولكنها تشير في الوقت نفسه إلى المكان الذي يلجأ إليه الكثير من الناس للجلوس والراحة والتفكير أيضًا في أمورهم، وربما التخطيط لأعمالهم، وغير ذلك كثير مما يشغل الإنسان. وتختلف مسمّياتها من بلد إلى آخر، مثل: «كافيه»، و«كافتيريا»، و«لاونج»، وغيرها من الأسماء التي تنتشر وتشتهر في كل بلد حسب ثقافة شعبه ولغته.
ولكنك إذا تمعّنت في كل هذه الأماكن، تجد عاملًا مشتركًا، ألا وهو التفكير الذي يذهب بالكاتب إلى الكتابة، وبالثوري إلى التمرّد، وبالسياسي إلى التحدّث، وكذلك بالشخص الجاهل أو الأُمّي أو حتى البلطجي إلى اتخاذ موقف يجيده.
قديمًا، كانت ملجأً للرجال بعد الانتهاء من أعمالهم على مدار اليوم؛ يتندّرون فيها ويتفكّهون لينسوا متاعب العمل ومشقّاته طوال اليوم. وكان من العادة آنذاك أن يأتي شاعرٌ حاملًا ربابته، يقصّ على الجالسين قصصًا من أمثال سِيَر أبي زيد الهلالي، والزير سالم، وعنترة بن شدّاد، والأميرة ذات الهمّة، وغيرها من السلاسل الأسطورية التي يهواها الناس. وتطوّرت بتطوّر الزمن، حتى جاء وقتٌ تجلس فيه العوالم بفرقهنّ الموسيقية، فيتراقصن ويُطرِبن الجميع. واستمرّت في التطوّر حتى وصلت إلى شكلها الحالي، محتفظةً بهويتها من خلال دخان الشيشة أو السجائر، إضافةً إلى المشروبات المختلفة، كالقهوة والشاي وغيرهما، ومحتفظةً أيضًا بجلسات تجمع الشباب والشيوخ، يوحّد بينهم كتابٌ أو موضوعٌ للنقاش.
في القرن التاسع عشر، كانت قهوة متاتيا بالعتبة الخضراء مكانًا يجتمع فيه الأستاذ المعلّم الشيخ جمال الدين الأفغاني، ويلتفّ حوله مجموعةٌ من التلاميذ، أمثال سعد زغلول، وعبد الله النديم، وأحمد عرابي، وغيرهم من الزعماء الذين قادوا الثورات وفتحوا عقول المجتمعات.
وفي الفيشاوي، كان يجتمع نجيب محفوظ، وأنيس منصور، وإحسان عبد القدوس، ويوسف إدريس، وغيرهم من قادة الفكر والأدب والثقافة.
والحقّ يُقال إنني حاولت جاهدًا أن أمسك بالسرّ وراء تلك العلاقة العميقة بين القهوة، بوصفها مكانًا أو شرابًا، وبين الفكر والثقافة والمواقف، ولكني لم أجد الإجابة حتى الآن، فهل من مجيب؟!
