
مقال دقيقة للقراءة
تخاريف سدة كتابية
لم تكن هذه أول سدة كتابية أمر بها، لكنها الأسوأ، دار النشر تنتظر مني المسودة، حتى لو كانت مسودة أولى -لا بأس- أي شيء مكتوب على ورق -أو على الأرجح ملف وورد- لكن هل يملك الكاتب زمام قلمه؟ هل يستطيع أن يحرر عضلات فكره؟ هل للكاتب فكاك من سجن سرده؟ عجز ينتابني لا أستطيع منه فكاكًا، لاحت لعينيَ عوالم وفرص ومواقف وشخوص وحوارات وسرديات وجمل وحكايات، لكن لا يجمع شتاتها خيط يلضمها في عقد متناسق. قررت أن أسترسل في الكتاب بلا هدى، كلمات بجانب كلمات وسطور فوق سطور وصفحات تطوي أخرى، تخطو الفكرة فوق أختها فتدهسها، تسحقها بلا هوادة، لكمتها لكمة كالقنبلة -مثل تعبير دكتور نبيل فاروق- فانفجر منها شلال حبر من الأفكار المبعثرة والكلمات الجوفاء المبهمة، لا أستطيع فكاكا من دوامة الأفكار الشرسة التي تكاد تبتلعني إلى أعماق عوالم من الخيال والإبهام والإيهام، هائم على وجهي بلا وجهة، فقط أنتظر أن تحط رحالي إلى محطة لا أعرفها، فهل هي تعرفني؟ لا أدري ماذا أقول، اهذيان هذا أم تجلي صوفي إلهي؟ حاشاه أن يكون هذا التخبط منه! لا أكتفي بسحق الورقة البيضاء لي، ولكنني أسحقني بفرط خيال لا يوصلني إلى شط ولا مرفأ، هل هذا هذيان جنون أم نشوة مجون؟ سلسال لا ينقطع، ربما بدأه هوميروس ولم يسلم منه أفلاطون منح دي ثربانتس شهرته وانتشى به شكسبير.
