قصة قصيرة ( قاع القاع )
>>>> قصة قصيرة
<<<<<<<< بقلمي: سهل أبو معلا ( أبو فارس معلاوي )
....قاع القاع
( كلور .. كلور ) نادى البائع في شارع الحي، ما زال الشاب ناصر نائماً، فرك عينيه، نهض وتقدم نحو النافذة، وبصوته الأجش:
( ألا ابتعدت من أسفل نافذتي بصوتك الأشبه بخوار الجواميس! )
فاستغرب البائع ذلك، ونظر في الناس الذين كانوا يُمعنون النظر عليه في أسف، وشعر بإهانة بالغة، نظر عالياً نحو النافذة، واستقبل أشعة الشمس بمقدمة جبينه وصلعته التي يترامى على أطرافها شعر أبيض كث، حدَّق بالشاب وقال:
( الجواميس هم أباك وأمك الذين لم يُحسنوا تربية قذرٍ مثلك! )
فاتسعت عينا الشاب، وانطلق سريعاً نحو المطبخ، استجلب سكيناً طويلة مخصصة للذبح، فأمسكت به أخته وأمه وهما تصرخان، فأزاحهما بعضلات ذراعيه المفتولة، ونزل سريعاً، فلحقنه ركضاً مع صياح صاخب علَّ أحداً يقوم بنأيه عن أذية الرجل!
بقي عشر خطوات تقريباً ويصل الشاب للرجل، عشر خطوات قد تمر في أقل من ثانية، توقف الزمن!
قبل خمس دقائق، لو نظرنا إلى المشهد من الأعلى، عدد من النسوة يجتمعن حول الرجل لشراء حاجتهن من المنظفات، وأخريات يحملن أباريقهن الفارغة يتوجهن إليه، والحلاق الخمسيني يجلس بنرجيلته على باب محله، وصاحب الدكان المجاور رجل طاعن في السن يُحاسب أحد الزبائن، وعدد من الناس يتدفقون سعياً بجانب بائع المنظفات ومن حوله.
حين وصل ناصر، حال الناس بينه وبين البائع، والصيحات تنتشر كأنها عواء ضباعٍ يعاركن أسداً يُنازعهن الفريسة، والناس تموج في جلبة صاخبة وكأنه يوم الحشر، والغبار من أقدام الجميع يعلو فيُشوه المشهد. كل هذا بلا جدوى! فقد قام ناصر بطعن عدد من النسوة، وطعن الحلاق وصاحب الدكان فقتلهما، وعدد من المارة الذين تدخلوا، وقتل بائع الكلور!
قبل عشر سنوات من هذه الواقعة، بينما كان ناصر في الصف الرابع الابتدائي، وكان يجلس في المقعد الأمامي في الصف. كان كثير الحركة، يُحدث جلبة مع مَن حوله من زملاءه، فأثار ذلك مدرس مادة الرياضيات فقذفه بالطبشور، وصاح به: ( أنت قف، هيا! ) فوقف ناصر، فسأله ناتج ضرب عددين، فلم يُجب، فانطلق نحوه وصفعه على وجهه، صائحاً: ( حمار وشقي، وتُفسد مَن هم حولك! ) فتمعر وجه ناصر وصاح في أستاذه: ( أنت الحمار وابن الحمار! ) فانفلت عقال المعلم عليه وظل يضربه بعصاه التي تتكون من جدائل من البلاستيك المتين!! حتى انكسرت ذراع الطالب.
في اليوم التالي هاجم والد ناصر وأعمامه المدرسة وكسروا يد الأستاذ! وقد قامت وزارة التعليم بنقل المعلم لمنطقة تعليمية أخرى! وفي اليوم الذي يليه كان ناصر يجلس على نفس مقعده وحوله نفس زملائه! وتم معاجلة المشكلة بين عائلة المعلم وعائلة الطالب عبر جلسات مخاتير العائلتين مع القضاء العشائري!
بعد عشر سنوات من واقعة القتل الصباحية، اليوم يتم تنفيذ حكم الإعدام في الشاب ناصر، بعد حبسه طوال الفترة السابقة! وتصعد كاميرا عالية فوق منطقة الواقعة في تلك الحارة، ابن صاحب الدكان يفتح دكان والده، ومحل الحلاقة تحول لمحل موبايلات، وابن بائع الكلور يصيح لبيع منظفاته، والنسوة يتجمعن حوله، كل شيء يسير على ما يُرام هنا، والكل مُنتشي بتحقيق العدالة أخيراً من ذلك المجرم، ولابد أن ننتشي طالما كنا نعيش هنا، فالناس ما زالت لا تُدرك الفرق بين قاعٍ وقاع!
فقد مرت على أتربة هذا الحي حوافر خيول جيوش المماليك البحرية بقيادة الظاهر بيبرس، والمماليك البرجية بقيادة سيف الدين قطز، واندفعوا لصد الغزو المغولي الذي جاء من الشرق والتهم كل شيء في طريقه، فاتحد الجيشان وانتصروا على كتبغا قائد المغول في معركة عين جالوت الخالدة.
وأثناء عودة الجيشين يحملون نشوة النصر الساحق، وفي أقصى جنوب قطاع غزة، قام الظاهر بيبرس باغتيال سيف الدين قطز لتبقى السيادة في المماليك البحرية على الجميع!
فنحن كنا وسنبقى كمن يحمل مسدسه ويُطلق الرصاص على قدميه، هذا لأننا ونحن في القاع لا ننظر إلى الأعلى لنخرج، بل نفتش أسفل مؤخراتنا على قاع أعمق نهبطُ إليه!
..
بقلم : سهل أبو معلا ( أبو فارس معلاوي )
..

15