تأمّل المقابلة
لطائف بلاغية
---------------------
في سورة إبراهيم، يقول الله عز وجل على لسان نبيه موسى عليه السلام:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].
تأمّل المقابلة في الآية نفسها بين جواب الشكر وجواب الكفر:
مع الشكر: قال «لَأَزِيدَنَّكُمْ»، فجاء الجواب بالفعل المباشر المسند إلى ذاته سبحانه (أزيدُ)، مؤكداً بلام القسم ونون التوكيد، وموجهاً للمخاطبين مباشرة بالكاف (كم).
مع الكفر: لم يقل "ولئن كفرتم لأعذبنّكم"، بل تحوّل فجأة إلى جملة اسمية: «إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ»!
ما النكتة البلاغية في هذا العدول؟
في جانب الشكر والفضل: تولى الله الإثابة بنفسه صراحةً؛ فالرحمة سابقة، والعطاء مضافٌ إلى كرمه مباشرة بالفعل الصريح، ليدل على التجدد والدوام كلما وُجد الشكر.
في جانب الكفر والمؤاخذة: عَدَل عن ذكر تعذيبهم بالفعل المباشر ليدل على كرمه وإعراضه عن نسبة العقوبة ابتداءً للمخاطب بذاته، وجاء بالاسمية «إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ» لتقرير حقيقة العذاب وثباته في ذاته لمن يستحقه، دون أن يقطع عليهم باب الأوبة والرجاء.
فأثبت الزيادة بالوعد المنجز والمواجهة الصريحة، وأخّر الوعيد وجعله خبراً عاماً عن شدة عذابه؛ استبقاءً لفرصة التوبة وتنزيهاً لساحة الجود أن تُبتدر بالعقاب.
سبحان من وسعت رحمته كل شيء حتى في موازين حروفه وتركيب جمله.
--------
#بلاغة_قرآنية
#د_محمد_زكريا_الحمد
13