
مقال 3 دقائق للقراءة
شهوة
والقراءة شهوة يسيل عليها لعاب المهتم، وتعلو منزلتها في نفسه حتى تتحول من رغبة إلى عادة، ومن عادة إلى غريزة لا يستغني عنها. ثم تسمو حتى تصير كالهواء الذي يتنفسه النَّهِم، فيحيا بها، ويتفاعل مع العالم م
بالأمس، طرحتُ سؤالًا للتصويت، وكان السؤال: هل القراءة للكتابة، أم القراءة بالكتابة، أم القراءة للقراءة وبالقراءة؟
وقد جاءت نتيجة التصويت بنسبة ستين بالمئة لاختيار القراءة للقراءة وبالقراءة، وثلاثين بالمئة لاختيار القراءة بالكتابة، وعشرة بالمئة لاختيار القراءة للكتابة. وهنا وجدتني أتساءل مجددًا: هل القراءة للمظهر، أم لإشباع حاجة داخل الإنسان وتوسيع مداركه؟ وهل نقرأ لأننا نريد أن نكتب، أم أننا نبدأ بالكتابة أولًا، ثم نقرأ لنعوّض ما ينقصنا خلال الكتابة، أم لأن القراءة نفسها أصبحت غاية نبتغيها وغريزة نشتهيها؟
كثيرًا ما نرى في عصرنا مَن يمسكون بكتاب لمجرد التظاهر بالثقافة، كما نرى مَن لا يلجؤون إلى الكتب إلا لإنجاز بحث أو كتابة مقال. وبين هؤلاء وأولئك مَن يقرأ ليزداد معرفة، ومَن يقرأ ليكتب، ومَن يجد في القراءة متعة لا ترتبط بغاية محددة ولا تنتهي بانتهاء كتاب أو إنجاز عمل. وعلى الرغم من أن نتيجة التصويت رجّحت القراءة للقراءة وبالقراءة، فإننا قلّما نرى هذا الشغف متجسدًا في واقع الناس بالقدر الذي توحي به النتيجة.
ومع ذلك، فإنني أرى أن لكلٍّ من هذه الأنماط الثلاثة وجهًا يستحق التقدير؛ فمن قرأ ليكتب، اتخذ من القراءة سبيلًا إلى نقل فكرة أو توصيل رسالة تستند إلى مصدر ومرجع، ومَن قرأ بالكتابة سعى إلى إثراء حصيلته الفكرية والثقافية واللغوية، أما مَن قرأ لأنه يحب القراءة، ثم ازداد حبًّا وشغفًا بها كلما أوغل فيها، فقد تجاوز بها حدود المنفعة المباشرة، وصارت جزءًا من تكوينه ووسيلته إلى فهم نفسه والعالم من حوله.
وليست العبرة، في رأيي، بمجرد تصنيف القارئ وفق الغاية التي تدفعه إلى الكتاب، وإنما بما تتركه القراءة في نفسه وعقله وسلوكه. فقد يقرأ المرء ليكتب، فيخرج من قراءته بفكرة تنفع غيره، وقد يقرأ بعدما كتب، فيتسع أفقه وتتغير نظرته إلى الأشياء، وقد يقرأ لمجرد المتعة، فيجد في الصفحات ما يوقظ أسئلته ويدفعه إلى التأمل. وربما بدأ أحدهم القراءة طلبًا لمنفعة عابرة، ثم انتهى به الأمر إلى شغف لا يعرف له بداية محددة ولا يبحث له عن نهاية.
أما مَن حمل الكتب للتظاهر بالثقافة وحدها، فإنني لا أرى أن ذلك يجعله عرضة للنقد والتهكم، وإلا لانصرف عن حمل الكتاب، وحمل بدلًا منه ما يشين الإنسان ويعيبه، بل يظل، في نظري، أقرب إلى فرصة يمكن أن تتغير؛ فقد يبدأ الأمر بمظهر، ثم يوقظ الكتاب في صاحبه فضولًا حقيقيًّا، فيتحول التظاهر إلى معرفة، والمعرفة إلى رغبة في المزيد. فحمل الكتاب لا يضمن لصاحبه ثقافة، ولا تكفي حيازته لإثبات الوعي، لكنه يظل بابًا مفتوحًا لمن أراد أن يعبر منه. ولعل حمل الكتاب، وإن كان في البداية للمظهر، أهون من حمل ما يؤذي الإنسان في جسده أو يهدمه في فكره وسلوكه.
والقراءة شهوة يسيل عليها لعاب المهتم، وتعلو منزلتها في نفسه حتى تتحول من رغبة إلى عادة، ومن عادة إلى غريزة لا يستغني عنها. ثم تسمو حتى تصير كالهواء الذي يتنفسه النَّهِم، فيحيا بها، ويتفاعل مع العالم من خلالها، ويقاوم أفكاره القديمة، ويجادل ويحاجج، ويعرف متى يُنصت ومتى يتحدث، ومتى يقبل ومتى يعترض.
إن تعامل البشر مع المخلوقات يعتمد على العديد من المقومات، كالبيئة وطبيعة النشأة والتربية، وقبل كل ذلك يقوم على اندماج داخلي للمقومات الشخصية، التي تصل إلى درجة نبيلة محمودة إذا كانت الروح نفسها قد تربَّت جيدًا، وشبعت حين اشتهت، وارتوت حين حاوطها الجفاف، وأخصبت حين داهمها الجدب. وفي رأيي، فإن الكتاب من خير الوسائل التي تعين على هذا النضج، متى أحسن المرء اختياره، وأجاد التأمل فيما يقرأ، ولم يجعل من المعرفة زينة يتباهى بها، بل نورًا يهتدي به في حياته.
وهكذا تتعدد الغايات، ويبقى الكتاب قادرًا على أن يفتح أمام قارئه بابًا جديدًا؛ فالقراءة في حد ذاتها غاية محمودة، ويد ممدودة لارتقاء بني آدم، سواء لجؤوا إليها للكتابة، أو عرفوها بالكتابة، أو ملكتهم في أسرها المُشتهى، وهم لا يعرفون متى كانت البداية، ولا يبحثون عن مُنتهى.
