
مقال 3 دقائق للقراءة
"وهم صناعة الأثر في المنصات التطوعية"
تقف مبادرات القراءة الجماعية والمنصات الثقافية في واجهة المشهد المعرفي المعاصر، متسربلةً بعباءة التنوير ومُناديةً بشعارات براقة من قبيل "صناعة الأثر"، "نهضة الأمة"، و"العطاء والإخلاص".
غير أن تفكيكاً سوسيولوجياً ونفسياً أعمق لبنية هذه المنصات، يُزيح الستار عن ميكانيزمات خفية تعمل على إعادة إنتاج "الاستلاب" في أبهى صوره. إذ أنه خلف هذه الواجهات، تقبع آلة إنتاجية نهمة، تقتات شغف المتطوعين، تصادر جهود المبدعين منهم، ضمن تكاتف سلطوي مغلف بقداسة وهمية كاذبة، فيُغيب العقول ويحيل الفرد الحر إلى مجرد ترسٍ مسلوب الإرادة...
أتساءل في قرارة ذاتي، وأنا أرقب تلك الجموع تمضي في مساراتها بلا كلل: كيف ينزلق عقل القارئ، الذي يُفترض أن تُحرره نصوص بينات، ليصبح أداة طيعة في منصات قمعية متميعة؟ كيف يقبل الإنسان أن يتلاشى أثره في هوية مؤسسية لا تعترف به إلا كرقم في عدادات الإنجاز ؟
الإجابة تكمن في هندسة "الابتزاز الروحي والعاطفي".
فقد برعت هذه المناصات في توظيف الخطاب العاطفي الديني كأداة للهيمنة وإحكام السيطرة؛ حيث يُعاد تأطير الاستغلال الإداري ليصبح "ابتلاءً يُمتحن به الصبر"، ويُترجم هضم الحقوق إلى "إخلاص النية لله". عبر هذا التعليب المفاهيمي، يتم اختطاف الوعي الناقد للمتطوع، فيُحجِم عن المساءلة أو الرفض خوفاً من أوهامٍ مُلئ بها ؛ خوفاً من أن يُوصم بـ "ضعف الشغف"، أو يُتهم بنكوصه عن "درب الرسالة". هكذا، تُصنع عقلية القطيع طواعية، ويمضي الكثيرون كـ "الإمعة"، يصفقون لسجّانيهم من الإداريين، معتقدين في قرارة أنفسهم أنهم يبنون صرحاً، بينما هم في الواقع لا يبنون سوى أمجادٍ شخصية لقادة تلك المنصات الموبوءة.
تتضح ذروة هذه التراجيديا التنظيمية في أروقة الفرق الفنية والإنتاجية الداعمة... فالمبدع — المصمم، أو الصائغ البصري، أو الكاتب — الذي ينحت من روحه ووقته ليخلق جماليات تصنع واجهة هذه المؤسسات، يجد نفسه فجأة في مواجهة آلة محوٍ ممنهجة. فيُجرد بدمٍ بارد من حقوقه المعنوية، وتُطمس هويته الفنية تحت ذريعة "إخفاء الذات واحتساب الأجر"، لتُجيّر عصارة فكره وإبداعه لصالح "المنصة". إذ يتحول التطوع هنا من مساحة للتسامي المتبادل وتحقيق الكينونة، إلى "عربة إنتاج" روتينية قامعة، تُستنزف فيها الطاقات لمعالجة نصوص ركيكة أو أفكار مستنسخة، دون أدنى تقدير مهني يحفظ للمبدع كرامة قلمه أو ريشته. وبالتوازي مع هذا الاستنزاف، تتكشف النوايا لهذه المنصات عن أمراض مجتمعية مقيتة، تتسيدها "الشللية" واحتكار الفرص. ففي ظل غياب معايير الحوكمة والشفافية، تخضع التراتبية التنظيمية لمنطق "المحسوبية والمزاجية"؛ حيث يُقصى العقل الناقد الذي يسعى للتقويم، ويُدنى المتملق الذي يُجيد فنون الطاعة العمياء...
لتصبح معايير التقييم شخصية بحتة، فمن كان قريباً من دائرة القرار نال الحظوة وغُضّ الطرف عن زلاته، ومن كان خارجها طُلب منه "الصبر على الأذى"، في مفارقة تكشف زيف الشعارات التربوية التي تتغنى بها تلك المنصات في أدبياتها الظاهرة أمام العامة.
نحن أمام أزمة "اغتراب ثقافي" حقيقية؛ حيث يتم استغباء الجماهير باسم المبادئ العليا، وتُسرق أعمار الشباب وجهودهم في مصانع وهمية لا تنتج الأثر الحقيقي بقدر ما تنتج تبعية عمياء... الانعتاق من هذه الهياكل الاستغلالية هو الوفاء والسمو الواجب لدحر هذه المنصات المبتذلة. فالتطوع حرية يصان بها كرامة الإنسان، ويحتفى بفرادة إبداعه، وينسب الفضل لأهله...
أما البقاء في حظائر الوهم، خوفاً من سراب الأثر المزعوم، فليس إلا خيانة للعقل الذي وهبنا الله إياه لنتدبر به حرية ذواتنا، قبل أن نقرأ به سطور الكتب والطواعية التامة تجاه هذه المنصات.
