#مقامات_صالح_علي
#المقامةُ_الغنَّمِيّة (١)
حدّثنا سحّار بن أبي الطّبق قال: قذفتني بحورُ الغربة بأمواجها الصعبة إلى قرية غِنّمة، حينما تبدد النورُ بالعتمة ولبس المساءُ أعطافَ الحِشمة، وغاب القمر وهلّت نسائم السَّحر، ودنا عرف الزهور إلى أنفٍ أكله الزكام، وجثم على صدرٍ أثقلته الآلام، وهبّ شذا الساجور يبعث الأريج العذب
ويُسلي الحزين الصبّ:
يذوب قلبُ الفتى من عطره شغفا
ويترك القلب خِلوًا دون أحزانِ
فإن نظرت رأيت الحسن مجتمعًا
وإن سمعت فصدّق دون نكران!
وبينا أسيرُ في طرقاتها وأقلبُّ الطرف في عَرَصَاتِها إذ لاح لي سوادُ طيفٍ مقبل ، فقلتُ من الطارِق؟ (٢) فقال: الشيخُ أبو طارق . فقلتُ : وما تبغي ولأيّ شيء ترمي ؟! فقال : وأيُّ شيء يبغي من حطمته السنون ؛ وكسرت ظهره المنون ، وقطع وداده الأحباب وخان عشرتهُ الأصحاب ثمّ أنشد :
لا الأهلُ أهلٌ ولا الاصحابُ أصحابُ
تبدَّل الكلُّ فالأقرابُ أغرابُ
قد كنتُ أهنأُ في صافي مودّتهم
يومُ النعيمِ وعند الفقر قد غابوا
حتّى إذا ذقت من دنياي مظلمةٍ
تفرَّق الشملُ واستشرى لهم نابُ! (٣)
ثمّ شهق شهقةً خلت أنّ نفسه خرجت إثرها ، فانتظرته حتّى طابت نفسهُ ولم أسألهُ ما الخبر لما عاينتُ من كلامه وأدركتُ من حاله ومقامه ؛ فقلتُ له: أيُّها الشيخ ألك حاجةً ؟! فقال قبّح الله رجلاً يسألُ اخاه ألك حاجة ، وقد كانت الأكابر منذ زمن تجود ولا تسأل وتعطي ولا تبخل ، فإن غبنوا فهم مأجورون وإلا فقد فعلوا ما أمر به الدين ، ثم أنشد :
إنّ البخيل الذي يعطي بلا عوضٍ
أحبُّ عندي من معطٍ له مننُ!
قال سحّار : فأنلته ما كان معي على استحياء فشكرني الشيخُ بلسانٍ فصيح ووجهٍ مليحُ فلمَّا تفحّصت مقوله وتأملت عرضه وطوله علمتُ أنّهُ الداودي بلحمه وشحمه وشكله ورسمه ما أخفاه عني إلا سواد الليل الكالِح ونبرة الفقر المالح فقلتُ له : شنشنة نعرفها من أخزم (٤)، فأخذ الشيخ إخذه وتبسم وقال ؛ ما كلُّ سوداء تمرة ولا كلّ حمراء جمرة
فإيّاك أن تخدع وبالمهانة تقنع! وليكن هذا لك درسٌ تحاذر ما بعده فإن القادم أعظم وعلى ربّك الخلف ثم ودّعني وانصرف!!
___________________________________________
١- الغنّمية : نسبة إلى قرية غنّمة في ريف حلب الشمالي تقع شمال غرب منبج ب٢٦ كم تقريبا
٢- الطارق : هو الذي يأتي ليلاً .
٣- استشرى الشر : إذا عظُم وتفاقم
٤- شنشنة نعرفها من أخزم : هو مثل عربي قديم ذكر الميداني النيسابوري رحمه الله في كتابه مجمع الأمثال ج ١ص ٣٦١ : مثل" شنشنة أعرفها من أخزم " فقال .قال ابن الكلبي: إن الشعر لأبي أخزم الطائي، وهو جد أبي حاتم أو جد جده، وكان له ابن يقال له أخزم، وقيل كان عاقاً، فمات وترك بنين فوثبوا يوماً على جدهم أي أخزم فأدموه فقال:
أن بني ضرجوني بالـدم *** شنشنة أعرفها من أخزم فراحت مثلا.
صالح علي
9 مشاهدة