
مقال 4 دقائق للقراءة
رِثَاءُ أُمِّي
اعذروني إنْ تَعَثَّرَتْ عِبَارَاتِي، وَتَنَافَرَ نَظْمُ حُرُوفِي، وَخَذَلَنِي الْقَلَمُ فِي رَصْفِ مَا اخْتَلَجَ فِي الْفُؤَادِ فَمَا كُلُّ مَا تَضْطَرِمُ بِهِ الصُّدُورُ تُطِيقُهُ الْأَقْلَامُ، وَلَا كُلُّ مَا تَسْتَعِرُ بِهِ الْأَرْوَاحُ تُسْعِفُهُ بَلَاغَةُ الْقَوْلِ. إنَّ فِي الْحَشَا لَظًى مُتَأَجِّجًا، وَفِي الْفُؤَادِ جَمْرًا لَا تَخْبُو جَمْرَتُهُ، كَأَنَّمَا أُضْرِمَتْ فِي أَعْمَاقِهِ نِيرَانٌ لَا يُطْفِئُهَا تَعَاقُبُ الْأَيَّامِ، وَلَا يُخْمِدُ سَعِيرَهَا طُولُ الصَّمْتِ. فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ الْحَرْفُ وَقَدِ اضْطَرَبَتْ مِنْ فَرْطِ الْوَجَعِ أَرْكَانُ الرُّوحِ؟ وَكَيْفَ تَنْتَظِمُ الْعِبَارَةُ وَفِي الصَّدْرِ مِنَ الْأَنِينِ مَا تَضِيقُ عَنْ حَمْلِهِ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ؟ عَشْرُ حِجَجٍ أوعَقْدٌ مِنَ الدَّهْرِ تَمَامًا قَدِ انْصَرَمَ مُنْذُ أَنِ ارْتَحَلَتْ أُمِّي، وَكَأَنَّمَا طُوِيَتْ بَيْنَ الْفَقْدِ وَالثَّكَلِ أَعْصَارٌ وَدُهُورٌ. وَمَا بَرِحَ رَحِيلُهَا غَضًّا يَنْزِفُ الْفُؤَادَ، وَمَا فَتِئَتِ الرُّوحُ تَخْتَبِطُ فِي أَقْمِصَةِ الْأَسَى. هَا أَنَا ذَا أُلَمْلِمُ شَتَاتَ الْمَعَانِي، وَأَنْتَظِمُ سَكَبَاتِهَا فِي لِسَانٍ شَجِيٍّ يَلِيقُ بِفَادِحِ الرُّزْءِ وَتَضَوُّعِ الذِّكْرَى. تَتَثَاقَلُ الْأَيَّامُ حَتَّى لَتَكَادُ تَكُونُ الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَ، تَسْتَدْعِينَا بِمَا لَا تُطِيقُهُ النُّفُوسُ، فَنَلُوذُ بِالصَّمْتِ مَعْقِلًا لِمَا تَبَقَّى مِنْ ذَمَاءِ أَرْوَاحِنَا. نَغْدُو فِي الْمَدَى كَالْأَغْصَانِ الذَّاوِيَةِ يَعْتَرِيهَا الْهَشَامُ، تُسْقِطُهَا نُطَفُ النَّدَى. يُغَطِّي ظَاهِرُنَا جَلَدٌ زَائِفٌ، وَيَكْمُنُ فِي الْبَاطِنِ خَوَرٌ وَانْكِسَارٌ، نُتْقِنُ فِيهِمَا خِلْعَةَ الصَّبْرِ الْمُمَوَّهِ. وَيَمُرُّ الْأَدْنَوْنَ فَيَحْسَبُونَ السُّكُوتَ جَفَاءً، وَيَرَوْنَ فِي التَّحَصُّنِ بِالْحِمَى قَسْوَةً وَمَا دَرَوْا أَنَّ الْقَسْوَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ مَا اسْتَقَرَّ فِي الْمَكْنُونِ مِنَ الْجِرَاحِ، وَأَنَّ الْمَعَارِكَ الْأَشَدَّ إِيلَامًا هِيَ تِلْكَ الَّتِي خُضْنَاهَا حَاسِرِي السِّلَاحِ، فَلَمْ يَتَسَرَّبْ صَدَاهَا إِلَى النَّشِيجِ. تَغْشَى الرُّوحَ ظُلْمَةٌ مِنَ الشَّجَنِ يَعْجِزُ عَنْ بَيَانِهَا التَّبْيِينُ فَلَا تَسْكُنُ الْجَوَانِحُ إِلَى مَطْلَبٍ، وَلَا تَنْزُو النَّفْسُ إِلَى أَرَبٍ. حَتَّى الْبَشَاشَةُ الَّتِي كُنْتُ أَسْتَعْذِبُهَا أَمْسَتْ كَالْأَسَرَاتِ الْمَيِّتَةِ أَبْتَسِمُ بَيْنَ الْمَلَإِ وَالْقَلْبُ غَرِيقٌ فِي لُجَجِ السُّهَادِ، وَأَجْلِسُ فَيَمْتَدُّ بِيَ الصَّمْتُ كَأَنِّي أَثَارَةٌ مِنْ غَابِرٍ. لَا أَدْرِي مَا الَّذِي يَعْوُزُنِي، وَلَا أَعْرِفُ لِهَذَا الْوَهَنِ اسْمًا، غَيْرَ أَنِّي أُحِسُّ سَغَبًا فِي الرُّوحِ وَتَعَبًا خَفِيًّا. لَا أَرْمُقُ إِلَّا سَكِينَةً يَبْرَأُ بِهَا الْقَلْبُ الْوَجِلُ، وَيَقِينًا بِأَنَّ الْآتِيَ لَنْ يَكُونَ بِهَذَا الْعُنْفُوَانِ مِنَ الْمَشَقَّةِ. وَإِلَى أَنْ يَتَنَفَّسَ الصُّبْحُ، سَأَظَلُّ أُسَوِّدُ الطُّرُوسَ بِالْكَلِمِ، لَعَلَّ الْأَقْلَامَ تَحْمِلُ عَنِّي بَعْضَ هَذَا الْوِزْرِ الَّذِي أَوْهَنَ ظَهْرِي. أُمَّاهُ عَقْدٌ تَامٌّ مِنَ الزَّمَانِ انْقَضَى مُنْذُ غَابَ صَوْتُكِ، وَمَا بَرِحَتْ ذِكْرَاكِ تَسْتَنْطِقُنِي بِرِيشَةٍ مِنَ الْأَسَى، وَحِبْرٍ يُعَازِفُهُ الذُّهُولُ. أَيُّ قَصِيدَةٍ مَفْجُوعَةٍ هَذِهِ الَّتِي تَنُوحُ فِي صَحَائِفِي؟ إِنَّ بَحْرَ الْيُتْمِ طَامٍ يَصْعُبُ سَبْرُهُ، وَكَيْفَ لِلْمَدَامِعِ أَنْ تَنْتَظِمَ عَلَى خُطُوطِ الْعَوَلِ؟ إِنَّ صُوَرَ الْحَنِينِ زَاهِيَةٌ، لَكِنَّهَا بِغَيْرِ مُحَيَّاكِ يَعْتَرِيهَا الشُّحُوبُ وَتَرْتَدِي أَثْوَابَ الْمَوْتِ. حُنُوَّكِ أَبْتَغِي فَقَدْ أَوْرَثْتِ الصَّغِيرَةَ جَمْرَ الْفِرَاقِ وَحَقِيقَةً لَا تُدَافَعُ. لَقَدْ عَزَفَتِ الضُّلُوعُ بِنَايَ الشَّجَوِ أَنْ لَا تَأْفُلِي فَالنُّجُومُ حِينَ تَفْقِدُ سَمَاءَهَا يَأْخُذُهَا اللَّغَبُ وَتَهْوِي فِي الْغَهَبِ. مُنْذُ ارْتَحَلْتِ يَا أُمَّاهُ، مَا عَادَ الْحُزْنُ يَسْكُبُ دَمْعًا، بَلْ أَمْسَى يَكْمُنُ فِي صَمْتٍ طَوِيلٍ كَالطُّوفَانِ الرَّاكِدِ. أَشْتَهِي وُجُودَكِ فِي أَقَلِّ السَّاعَاتِ بَالًا، وَفِي أَهْوَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا يَرْعَاهَا خَلِيلٌ وَلَا يَفْهَمُهَا سَمِيرٌ. مِنْ هُنَا كَانَ غِيَابُ الْأُمِّ خَطْبًا يَفُوتُ الْحَصْرَ إِذْ لَا تَغِيبِينَ عَنِ الْحَيَاةِ فَحَسْبُ، بَلْ تَغِيبِينَ عَنْ كُلِّ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تُحْكَى إِلَّا لَكِ. حِينَ أَفْتَقِدُكِ أَهْرُبُ إِلَى صُورَتِكِ، أُحَدِّقُ بِهَا طَوِيلًا وَكَأَنَّنِي أَبْحَثُ دَاخِلَ مَلَامِحِكِ عَنْ شَيْءٍ يُطَمْئِنُ هَذَا الْخَرَابَ الَّذِي تَرَكَهُ غِيَابُكِ دَاخِلِي. صُورَتُكِ أَصْبَحَتِ الْجُرْعَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي تَهْدَأُ قَلْبِي حِينَ يَهْجُمُهُ الِاشْتِيَاقُ بِعُنْفٍ. حِينَ أَشْعُرُ أَنَّنِي أَخْتَنِقُ لِأَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ سَمَاعَ صَوْتِكِ، وَلَا رُؤْيَتَكِ، وَلَا الْوُصُولَ إِلَيْكِ كَمَا كُنْتُ أَفْعَلُ فِي خَيَالِي دَائِمًا. أَلْمَسُ الشَّاشَةَ أَحْيَانًا بِحُزْنٍ غَبِيٍّ، كَأَنَّنِي أُصَدِّقُ لِلَحْظَةٍ أَنَّكِ سَتْشْعُرِينَ بِي، أَوْ أَنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَنَا سَتَلِينُ قَلِيلًا أَمَامَ هَذَا الْحَنِينِ الْمُتْعِبِ. أُحَدِّثُ صُورَتَكِ عَنْ يَوْمِي، عَنْ تَعَبِي، وَعَنِ الْفَرَاغِ الَّذِي تَرَكْتِهِ بَعْدَ رَحِيلِكِ، ثُمَّ أَبْتَسِمُ بِحَسْرَةٍ حِينَ أَتَذَكَّرُ أَنَّ الصُّورَةَ لَا تُجِيبُ، وَأَنَّ أُمِّي الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا تُطَمْئِنُ قَلْبِي أَصْبَحَتْ مُجَرَّدَ مَلَامِحَ مَحْفُوظَةٍ فِي هَاتِفِي، أَهْرُبُ إِلَيْهَا كُلَّمَا قَتَلَنِي غِيَابُهَا. كَيْفَ لِي أَنْ أُمَزِّقَ هَذَا الْقِنَاعَ الَّذِي أَرْتَدِيهِ أَمَامَ الْعَالَمِ، لِأُرِيكِ حُطَامِي كَمَا هُوَ؟ أَنَا لَسْتُ بِخَيْرٍ يَا أُمِّي كَمَا تَظُنِّينَ، أَنَا غَرِيقٌ فِي مُحِيطٍ مِنَ الْأَفْكَارِ الْمُتَلَاطِمَةِ يَا رَفِيقَةَ الرُّوحِ. أَعِيشُ فِي دَوَّامَةٍ لَا تَهْدَأُ، أَبْحَثُ بَيْنَ الْقَرَارَاتِ الْمُرَّةِ عَنْ بَصِيصٍ مِنَ الْأَمَلِ، وَعَنْ سَبَبٍ وَاحِدٍ يُبَرِّرُ لِي الْمُضِيَّ قُدُمًا. الْوَقْتُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ ثَوَانٍ وَسَاعَاتٍ، إِنَّهُ عَدُوٌّ لَدُودٌ، بَطِيءٌ كَزَحْفِ الْقَيْدِ عَلَى مِعْصَمِ سَجِينٍ يَتَرَقَّبُ الْحُرِّيَّةَ خَلْفَ قُضْبَانِ الْقَلَقِ، وَيَعُدُّ نَبَضَاتِ قَلْبِهِ انْتِظَارًا لِلْخَلَاصِ. كَيْفَ لِي أَنْ أَصِفَ لَكِ عَطَشِي لِمُحَادَثَتِكِ؟ رَغْبَةٌ جَامِحَةٌ فِي أَنْ أُلْقِيَ بِكُلِّ أَثْقَالِي بَيْنَ يَدَيْكِ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ حَدِيثُنَا هَذَا هُوَ الْوَدَاعَ الْأَخِيرَ. أَنَّكِ الْمَلَاذُ الَّذِي لَا يُمْكِنُنِي خِسَارَتُهُ؟ ثَمَّةَ أَسْئِلَةٌ تَنْهَشُ فِي رُوحِي، صَمْتُهَا يَقْتُلُنِي، وَعَدَمُ الْعُثُورِ عَلَى جَوَابٍ لَهَا يَجْعَلُ مِنْ بَقَائِي صِرَاعًا لَا يُحْتَمَلُ. أَنَا هُنَا، فِي هَذَا الرُّكْنِ الْمُظْلِمِ مِنَ الْعَالَمِ، أَحْتَاجُكِ فِي كُلِّ شَهِيقٍ وَزَفِيرٍ، فَهَلْ لِي بِكَلِمَةٍ تُبَدِّدُ هَذَا الصَّمْتَ الدَّاخِلِيَّ وَتَكْسِرُ وَحْشَةَ هَذَا الِانْتِظَارِ؟
فطوم سيد 🥺🌸
