قصة كتاب
قصة كتاب
رفعت عيناها عن الكتاب الذي كانت تقرأ فيه واسترسل نظرها للأفق البعيد الممتد أمام نافذة غرفتها وسرح تفكيرها في عبارات مرت معها
خلال قرأتها في هذا الكتاب .....
كان قد لفت نظرها عنوانه في معرض الكتب منذ عام ونيف، وعلما لم تكن من هواة هذه النوعية من الطروحات إلا أنها لم تستطع مقاومة فضولها ...
كان من ضمن مجموعة كبيرة من الكتب التي اقتنتها فهي كعادتها كل سنة كلما ورد عليها اسم كتاب لافت أو مؤلف يروق لها تفكيره ، سجلت اسم الكتاب في قائمتها ، وعندما يحين موعد معرض الكتب في مدينتها ، تنطلق كالنحلة الدؤوبة في أروقة المعرض تبحث عن زهور المعرفة لتضمها لمكتبتها ، فقد كانت القراءة عشقها الأوحد كهواية ، لا تتنازل عنها مهما كانت الظروف..... بل كيف تتنازل عنها إذا ما كان الكتاب نافذة روحها إلى الدنيا ......
اصطف ذاك الكتاب مع مجموعة الكتب الأخرى في مكتبتها المصنفة للكتب الجديدة التي لم تقرأها بعد ، وقد مر عليه زمن وهو هناك في وضع الإنتظار ، فقد جدت عليها أولويات في الحياة ...وإن كانت لم تتوقف عن القراءة ، لكن لم يحن موعد إقلاع رحلتها مع أحرف هذا الكتاب ، إلا عندما قررت ان تأخذ إجازة من العمل وضغوطات الحياة ، فهي تعتبر كل كتاب رحلة لروحها تسافر فيها بين أسطره .
وقفت أمام مكتبتها تختار وجهة رحلتها وعاد عنوان الكتاب يناديها بحماس :
(ذكريات الجَنة ) ....
احتضنت الكتاب وانطلقت لركنها الهادئ أمام نافذتها
وأقلعت رحلتها ....
بادئ ذي بدء أعلن الكتاب عن نفسه ، إنه ليس رواية ولا قصة ، وهمس في أذنها إن أحادثه من واقع الحياة ...
- رددت في نفسها قد يكون العنوان رنان ليجذبنا لقراءة المحتوى ، أو إنه مجازيا ....
لكن الكتاب نفى هذا التحليل ، وأصر على رأيه بأنه أحداث حقيقة من واقع الحياة ....
- نعم من الواقع ولم لا... رددت في نفسها : أ ولَيس كلمة جَنة تطلق على البساتين الخضراء والطبيعة الجميلة ؟!!! ....
بدأت الأسطر تتوالى خلف بعضها البعض عن قصص لأطفال دون الرابعة من العمر من مختلف بقاع العالم ، يحدثوا ذويهم بأحداث حصلت قبل مجيئهم على الكرة الارضية ... مما يدعو إلى الإندهاش والفضول أيضا ....
وتوقفت أمام عبارة سطرت بخط عريض في ذلك الكتاب : [ذكريات الأطفال المذهلة عن الزمن الذي سبق مجيئهم إلى عالمنا ]
وتسألت هل هناك زمن قبل المجئ إلى هذا العالم نذكره ؟!!!...
حاولت حصر تفكيرها ... ما أبعد ذكرى ممكن أن تعود لها في عمرها؟!!! ...
إنها السنوات الأولى لدخولها المدرسة !!!.. لا.. يمكن أن تكون أبعد من ذلك ... مشاجرة بينها وبين أخيها على من يركب الأرجوحة ... نعم إنها تذكر ألم الصفعة من يده الصغيرة على وجهها ، لتبتعد عن الأرجوحة فقد حان دوره ليركبها .... لكن ما تزال هذه الذكرة أقرب لسن دخول المدرسة ...
حاولت التركيز أكثر ، لتفتكر شيئا أبعد ... عن شكل جدها مثلا ..الذي فارق الحياة وهي في الثانية من العمر ....عن تفاصيل بيتهم الذي غادروه إلى مدينة جديدة وهي في الثالثة من العمر .....لكن هذه كلها أحداث تعرفها من أحاديث الأهل عنها ..... وهي صور مكونة من الخيال ، ضبابية الشكل عن تلك الفترة ، تشبه صورة للعبة (بذل) تنقصها أقسام كثيرة ،إنها ليست ذاكرتها إنها اسقاطات لذاكرة الكبار سمعتها منهم .....
عاد الكتاب يذكرها إنها ذكريات لمرحلة ماقبل الوصول إلى الأرض ......
ومع إنها لم تقتنع بامكانية قدرتنا على التذكر لأحداث في تلك العمر الصغيرة، فقد شدها الفضول لتعرف كيف يمكن لها أن ترجع بذاكرتها لأبعد من نقطة الولادة... لعله يضع تمارين معينة عن الإسترخاء والتأمل تساعدنا بالعودة إلى تلك المرحلة !!!!.....
أخذها الحماس لتجربها ، إنها أفضل شى للإبتعاد عن روتين الحياة وضغوط العمل ، قلبت الصفحة واستمرت في رحلتها مع الفصل الثاني ....
أخبرها الكتاب عن قصة الطفلة ذات ثلاث سنوات وهي تخبر والدتها إنها عندما كانت في الجنة سألها رب العالمين : أي أم تختاري ؟
وهي: قد أشارت له على أمها لأنها أحست إنها إنسانة طيبة حنون .... لذلك قررت أن تكون ابنتها ...!!!
-لحظة أيها الكتاب كيف يكون ذلك واقعي ؟!!!..
ألم تقل إن محتوياتك قصص واقعية ؟!! ...
ألا نعرف كلنا إننا لم نختر أبانا وأمنا .. ولا البلد التي ولدنا فيها .. لا بل حتى اسمنا لم يكن لنا فرصة لإختياره ... ومعظمنا يعترض على ذاك الإسم الذي يحمله ....
فكيف الآن تخبرني إننا أخترنا فعلا أهلنا ؟!!!...
ويسرد الكتاب قصة أخرى أعجب من الخيال ليحاول إضاح الفكرة أكثر:
ذاك الفتى الصغير دون الرابعة الذي يستلقي قرب أمه ويحدثها عن يومه في الحضانة وزملائه وألعابهم و...... ويقول لها أرجوك توقفي عن الحزن ، لقد اخترتك لأعوضك عن ولدك الذي فقدتيه منذ خمسة عشر سنة ... أنا أعرف إنك لست أمي الحقيقية ...!!
لكن أنا طلبت من الله أن أصبح ولدك لأنسيك أحزانك فقدت بدوت شديدة الحزن وشديدة الطيبة ...!!
ويستمر الكتاب بقوله إن تلك الأم كانت قد تبنت هذا الطفل من ملجأ الأيتام وقد كان عمره أيامًا بعد أن فارق والداه الحياة في حادث سيارة في بلد غريب ولم يُعرف له أقارب ...
وموضوع التبني هذا لم تخبره الأم لأي أحد من معارفهم وأدت كلمات الطفل هذه لمحاولة الأم لتغير أسلوب حياتها ، و إبعاد الحزن عن نفسها وإغداق الطفل بعاطفتها أكثر .....
▪︎ هل يعقل هذا ؟!!!... هل ممكن أن نعلم بأحداث لم يذكرها الكبار أمامنا؟!!! .... تسألتُ بإستنكار .
قد يكون مؤلف الكتاب هذا يؤمن بتقمص الأرواح !!! ... وهي أفكار لأقوام بعيدة سبقتنا ، و بعض الأديان على الكرة الأرضية تؤمن بأن الروح عندما تغادر جسدًا بعد موته تحل في جسدًا آخر ،أو حيوان أو نبات بحسب أعمال هذا الانسان ويعيش حياة أخرى في الشكل الجديد ، وقد كانوا يدللوا على صحة هذه الإفتراضية إلى مواقف تمر معنا في حياتنا اليومية فقد نلتقي بشخص لا نعرفه ولكن نشعر وكأننا كنا على سابق معرفة به ...
أو اننا ندخل مكان ما ونشعر وإنه سبق أننا كنا هنا ، مع إننا اليوم أول مرة نتواجد فيه هنا .....
دارت كل هذه الأفكار في ذهنها ونظرها مسترسل بعيدًا إلى الأفق من نافذة غرفتها وبدأت تنظر إلى السماء بتمعن .... أيعقل أن يكون وراء السماء منزلنا الأول في الحياة ؟!!! ...
وإننا نستطيع أن نرى من هم على الأرض وصفاتهم بهذا الوضوح هل نكون كالملائكة مثلا؟!!!...
أنتقل بها الكتاب لقصة تلو القصة كل منها يؤكد صدق القصة التي تسبقها ...
وها هي الطفلة الصغيرة التي تسكت فجأة عن الغناء لتخبر أمها إنها لم تكن هي الأم المنشودة ،إنها كانت تبحث عن سيدة تدعى ناديا وبحثت كثيرًا ،ولكنها لم تستطع العثور عليها ، وإنما في كل مرة كانت تعثر على إبنة ناديا فقررت إنها ستذهب لعندها لريثما تعثر على ناديا ....
وتقول أم الطفلة هذه: إنها منذ أن ولدتها لم تشعر إن هذه الطفلة ابنتها ومع إنها واثقة أنها هي الطفلة التي ولدتها من بطنها ، إنما كان دائمًا عندها هذا الإحساس الغريب إنها ليست إبنتها !!.. إلى أن حدثتها تلك الطفلة بقصتها فأدركت إن إحساسها كان صحيحًا ... فناديا كانت أمها وهذه الطفلة يجب أن تكون أختها ....
ومن ذلك اليوم تعاملت معها على إنها أختها وشعرت بإرتياح شديد بعد أن تخلصت من حيرة أحاسيسها ...!!!
▪︎ هَتفت : ما لهذا الكتاب كلما حاولت أن أجد له تفسيرًا عقلانيًا قريبًا للفهم ، يحملني بقصصه بعيدًا إلى أماكن أغرب من الخيال ...
كيف يعقل أن تكون إبنتي أختي ؟!!... لابد أن هذه الأم تتعاطى نوع من الأدوية المضادة للإكتئاب وخاصة إن إكتئاب ما بعد الولادة وهو عارض شائع يأتي لبعض السيدات بعد الولادة ، وممكن أن يتخيلن أحداثًا أو عوارضًا غير موجودة في الواقع ، وهذا مرصود وموثق في كتب الطب ويعالج ببعض الأدوية المضادة للاكتئاب.... ولكن لماذا يدرجها هذا الكتاب من بين قصصه ....
وهَمتْ أن تعلن إعتراضها على هذا الكتاب، وتوقف القراءة به فهو وإن كان تحدى معلوماتها وإطلاعاتها في الحياة وجعلها تعيش مرحلة التساؤل والبحث عن التفسير المنطقي ، لكن إلى أين سنصل ؟!!!...
همست وهي تقلب صفحات الكتاب بسرعة قصص مختلفة بالشخصيات والمواقف ، ولكنها واحدة في المضمون كانت لنا حياة في الجنة قبل أن ننزل إلى الأرض ....!!!
وهاهي طفلة أخرى تصف الجنة لوالدتها بأنها جميلة وتصف الملائكة التي كانت ترافق كل طفل في الجنة، وتصف الأحاديث التي كانت تجري بينهم وبين الله عز وجل ،وتقول بإجابة على سؤال والدتها : ( لا لم ارَ الله إنما سمعت صوته فقط) .....
▪︎ أعتقد أنني وصلت لنهاية رحلتي مع هذا الكتاب ، بحزم كلماتٌ قالتها ، وأغلقت الكتاب واضعة إياه أمامها على الطاولة ، وما زالت عيناها مشدودتان لغلافه ، واستمر عقلها في التحليل : قد يكون الكتاب يشير إلى الفطرة الموجودة في داخل كل منا ... وعن طريق هذه الفطرة نعرف الله الخالق القادر على كل شىء ....
لكن من المؤكد إن هذا الكتاب أيقظ إحساسا بداخلي عن ضرورة الحافظ على فطرتنا سليمة ، بالحفاظ على الطفل الصغير داخلنا ورعايته وعدم دفنه سحيقًا في أعماق نفوسنا .... وقد يكون هذا ما أشار إليه رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام عندما أخبرنا : ( أن استفتي قلبك) ...
ناهد الاسطة
13