
مقال 3 دقائق للقراءة
موقف وشِعر
ولله در أصحاب المواقف، فقد عانوا ما عانوا في حياتهم، ولكن يمر الوقت وينتصر الحق لهم في النهاية. ولكن الأسف في أنهم لم يروا ذلك في حياتهم، والعزاء هو في تخليد ذكراهم وذكرى مواقفهم بعد موتهم.
في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وقد كانت حكومة الرئيس السادات، رحمه الله، قد رفعت بعض أسعار السلع التموينية، وانتفض وقتها الشعب المصري رافضًا تلك الزيادة، وعمت الفوضى في العديد من المحافظات وقتها. وبالطبع، تم القبض على العديد من مثيري الفوضى والشغب، كما هو الحال في كل عصر، وخرج السادات في خطابه أمام مجلس الشعب، وأطلق على هذه الموجة «انتفاضة حرامية».
وهنا انتفض الشاعر المصري الفاجومي (أحمد فؤاد نجم)، وكتب قصيدة أطلق عليها «بيان هام»، استعمل فيها الرمزية الشعرية، وتحدث خلالها عن زعيم لدولة من دول العالم الثالث سوف يطل على شعبه من محطة إذاعية اسمها (شقلبان، محطة إذاعة حلاوة زمان)، وهذا الزعيم يسمى (شحاتة المعسل)، الذي ما إن بدأ حواره مع الشعب حتى بدأ بـ«بسم الله، سلام عليكم وسلمون وموز»، وهو تهكم واضح وصريح. «وأما المشاكل فهنجف وموز»، أي لا توجد لدينا مشكلة.
ويستطرد الرئيس هذا في حديثه مع الشعب، مبينًا أنه لا توجد لدينا مشكلات إلا من طبقة صغيرة لديها أنواع من «الحقد الاشتراكي»، وأخذ يدور حول كلماته بما لا يفيد، وينهي حديثه بأنه الوحيد الذي له الحق في فعل ما يريد؛ لأنه الأدرى بالمصلحة العليا للبلاد، بصفته «رئيسًا وأبًّا وجوز».
ولنا أن نعلم أن الشاعر (أحمد فؤاد نجم) تمت دعوته في ندوة ثقافية في جامعة عين شمس، ألقى فيها القصيدة، وعندما جاء للجزء الذي يحمل نص خطاب الرئيس، قام بتقليد حركات وصوت الرئيس السادات المعروفة والمشهورة، فكانت نتيجة هذه الندوة أن تم عمل قضية لنجم، يحكم فيها القضاء العسكري، وكانت أول مرة يُحاكم فيها مبدع أمام محكمة عسكرية، وقد تم الحكم عليه بالحبس سنة.
وفي لقاء تلفزيوني لأحمد فؤاد نجم عام ٢٠٠١، نوقشت هذه القضية، فذكّرنا نجم وقتها بحادثة حدثت في مصر أيضًا في عشرينيات القرن نفسه، أي قبل كتابة نجم لقصيدته بخمسة عقود، وكانت هذه الحادثة تتعلق بالملك فؤاد والشاعر الكبير (بيرم التونسي).
فبعد وفاة السلطان حسين كامل، تولى أخوه الملك (أحمد فؤاد) حكم مصر، وكان النفوذ الإنجليزي مستفحلًا في البلاد، وكانت البلاد تبحث عن استقلالها التام، وتزعم (سعد زغلول) وفد المطالبة بذلك. وجاء تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢، الذي أعلنت فيه بريطانيا إنهاء الحماية البريطانية على مصر، مع احتفاظها بتحفظات ونفوذ في مسائل أساسية، وتم إعلان مصر ملكية، ولُقِّب فؤاد بـ«الملك أحمد فؤاد» بعد لقب السلطان.
وهنا ثار (بيرم التونسي)، ابن الشارع المصري الذي كان يغلي من زيادة نفوذ المحتل، وأنه لا حرية وُجدت ولا استقلال عمَّ، فكتب زجلًا معبرًا عن الشعور العام وقتها، قال فيه:
«ولمّا عدمنا بمصر الملوك،
جابوك الإنجليز يا فؤاد قعَّدوك،
تمثّل على العرش دور الملوك،
وفين يلقوا مجرم نظيرك ودون؟
وخلّوك تخالط بنات البلاد،
على شرط تقطع رقاب العباد،
وتنسى زمان وقفتك يا فؤاد،
على البنك تشحت شوية زيتون.
بذلنا ولسّه بنبذل نفوس،
وقلنا عسى الله يزول الكابوس،
ما نابنا إلا عرشك يا تيس التيوس،
لا مصر استقلّت ولا يحزنون».
ونُفي بيرم خارج مصر، وظل يتنقل من تونس إلى فرنسا وغيرها من البلدان، ولم يستطع العودة إلا بعد وفاة الملك فؤاد وتولية ابنه (الملك فاروق).
وأضاف (أحمد فؤاد نجم) قائلًا: أنا ابن لهذا الشاعر المصري العملاق الذي واجه الملك صراحة في أوج قوته، فما كنت لأبلع لساني خوفًا من ملك أو سلطان، وأنا من تلك السلالة الجريئة.
وما بين هذا وذاك، وبعد مرور السنين وتغيُّر الأشخاص والأحداث والصور والوسائل، لم يتغير القمع، بل تطور فقط، من النفي إلى المحاكمة العسكرية. ولله در أصحاب المواقف، فقد عانوا ما عانوا في حياتهم، ولكن يمر الوقت وينتصر الحق لهم في النهاية. ولكن الأسف في أنهم لم يروا ذلك في حياتهم، والعزاء هو في تخليد ذكراهم وذكرى مواقفهم بعد موتهم.
