
مقال 7 دقائق للقراءة
بقلم د.فاطمة العقاربة
الأردن في قلب معادلة الأمن العربي .. قراءة استراتيجية وطنية عسكرية وأمنية في تحولات الشرق الأوسط ودور الدولة الأردنية في حماية السيادة وصناعة الاستقرار
الأردن في قلب معادلة الأمن العربي قراءة استراتيجية وطنية عسكرية وأمنية في تحولات الشرق الأوسط ودور الدولة الأردنية في حماية السيادة وصناعة الاستقرار
لم يعد الشرق الأوسط يعيش مجرد أزمات سياسية متفرقة، بل يواجه مرحلة معقدة من التحولات الاستراتيجية التي تتداخل فيها الحروب المباشرة، وصراعات النفوذ، والتهديدات العابرة للحدود، ومحاولات إعادة تشكيل موازين القوة، إلى جانب الحروب المعلوماتية التي تستهدف الوعي العام وتماسك المجتمعات. وفي خضم هذه البيئة المضطربة، يبرز الأردن بوصفه دولة تتعامل مع الأمن باعتباره منظومة متكاملة، تتداخل فيها حماية السيادة الوطنية مع استقرار الإقليم، وتتساند فيها القوة العسكرية مع الدبلوماسية والقدرة على إدارة الأزمات. إن قراءة الدور الأردني لا ينبغي أن تقتصر على موقعه الجغرافي أو طبيعة التحديات المحيطة به، بل يجب أن تنطلق من فهم عميق لطبيعة الدولة الأردنية، وثوابتها الوطنية، ومحددات قرارها الاستراتيجي في منطقة تتسارع فيها الأحداث، وتتزايد فيها كلفة سوء التقدير، وتتراجع فيها المسافات الفاصلة بين التوتر الخارجي وانعكاساته الداخلية. فالأمن الوطني الأردني ذو السيادة أولاً ففي الحسابات الاستراتيجية للدول، لا تمثل الحدود مجرد خطوط جغرافية، وإنما تشكل خطوط الدفاع الأولى عن السيادة والاستقرار. وتزداد هذه الحقيقة أهمية بالنسبة إلى الأردن، الذي يتعامل مع بيئة إقليمية تتعدد فيها مصادر المخاطر، من محاولات التسلل والتهريب إلى تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وما قد ينتج عن الصراعات المحيطة من تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية.
ومن هنا فان المهام الميدانية للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي ذات اولويةو أهمية للجاهزية المستمرة، وتطوير القدرات الفنية والتكنولوجية، وتعزيز منظومات المراقبة والاستجابة، ورفع كفاءة التنسيق بين التشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية المختصة. وقد شهدت البيانات الرسمية للقوات المسلحة استمرار التعامل مع محاولات التسلل والتهريب على عدة جبهات حدودية خلال هذا العام ، بما يعكس طبيعة التحديات التي تتطلب يقظة متواصلة واستجابة منضبطة وفق القوانين وقواعد الاشتباك المعتمدة. لذلك إن مفهوم الأمن هنا يتجاوز رد الفعل على التهديد بعد وقوعه، ليشمل القدرة على اكتشاف المؤشرات المبكرة، وتقدير المخاطر، والاستعداد لسيناريوهات متعددة، ومنع تحول التهديدات المحدودة إلى أزمات أوسع. فالدولة التي تستثمر في الاستباق والتخطيط وإدارة المعلومات تقلل من كلفة المواجهة، وتحافظ على استقرارها في بيئة لا تمنح الدول رفاهية الانتظار. لان الجيش العربي الأردني يعتبر قوة الردع وحماية المجال الوطني الاردني ففي ظل التحولات العسكرية التي تشهدها المنطقة، لم تعد الجاهزية الدفاعية تقاس بعدد المعدات أو حجم الانتشار وحدهما، بل أصبحت ترتبط أيضاً بكفاءة القيادة والسيطرة، وسرعة تبادل المعلومات، والقدرة على التعامل مع التهديدات الجوية وغير التقليدية، وتكامل التكنولوجيا مع الخبرة البشرية. لهذا تمثل القوات المسلحة الأردنية ركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني، من خلال حماية الحدود والمجال الجوي، والتعامل مع التهديدات التي تمس سلامة الأراضي الأردنية، وتعزيز القدرة على منع أي طرف من انتهاك السيادة الوطنية. كما أن تطوير القدرات الدفاعية لا ينفصل عن طبيعة التحولات الإقليمية؛ فانتشار الطائرات المسيّرة، وتعدد مصادر التهديد، وتداخل ساحات الصراع، تفرض على المؤسسات العسكرية مواصلة التحديث والتدريب والتكيف مع أنماط المواجهة المتغيرة. والقوة الدفاعية الفاعلة ليست تلك التي تبحث عن المواجهة، بل التي تمتلك من الجاهزية والقدرة ما يحمي الدولة، ويمنع استباحة سيادتها، ويجعل قرارها الوطني مستقلاً عن ضغوط التهديد والابتزاز. فالردع في جوهره وسيلة لحماية السلام والاستقرار، وليس غاية منفصلة عنهما. ونأتي ارتباط الأمن الوطني بالأمن الإقليمي حيث تظل القضية الفلسطينية من أكثر الملفات تأثيراً في معادلة الأمن الأردني والعربي، ليس فقط بسبب بعدها التاريخي والسياسي، وإنما لما تفرضه من تحديات مباشرة على استقرار المنطقة ومستقبل التسوية والصراع. ويحتل رفض التهجير القسري للفلسطينيين موقعاً محورياً في الموقف الأردني إذ إن المساس بحق الشعب الفلسطيني في البقاء على أرضه وتقرير مصيره من شأنه أن يفاقم الصراع، ويقوض فرص السلام، ويخلق تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية واسعة.
فالمواقف الرسمية الأردنية، بالتنسيق مع دول عربية وإسلامية، ترفض الإجراءات الرامية إلى تهجير الفلسطينيين، والتحذير من السياسات التي تقوض حل الدولتين والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ومن منظور استراتيجي، فإن حماية الحقوق الفلسطينية ودعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين، وفق قرارات الشرعية الدولية، يمثلان جزءاً من مقاربة أوسع تستهدف منع انفجار الأزمات وتوفير أسس أكثر استدامة للاستقرار. وهنا تتكامل الأدوات الدبلوماسية والسياسية والإنسانية مع مقتضيات الأمن الوطني. فالأمن لا يتحقق بمعزل عن معالجة جذور الصراع، كما أن الاستقرار طويل الأمد لا يمكن أن يقوم على فرض الوقائع بالقوة أو تجاهل الحقوق المشروعة للشعوب. فالدبلوماسية الأردنيةتقوم بإدارة التوازنات دون التفريط بالثوابت في منطقة تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية، حيث تحتاج الدول إلى دبلوماسية قادرة على حماية مصالحها، وتوسيع خياراتها، والحفاظ على قنوات التواصل، من دون التخلي عن ثوابتها الوطنية. ويتمثل التحدي أمام الأردن في إدارة علاقاته وتحالفاته ضمن بيئة متغيرة، والمحافظة على استقلالية قراره، والعمل على احتواء الأزمات ومنع انتقالها إلى ساحات جديدة، مع مواصلة التنسيق العربي والدولي في الملفات التي تمس الأمن والاستقرار. ولا تعني إدارة التوازنات الوقوف على مسافة واحدة من جميع القضايا، بل تعني تقدير المصالح والمخاطر بدقة، واختيار الأدوات الملائمة لكل مرحلة، وتجنب القرارات التي قد تفرض كلفة استراتيجية أكبر من قدرتها على تحقيق النتائج. ومن هنا، فإن الدبلوماسية ليست بديلاً عن القوة الدفاعية، كما أن القوة الدفاعية ليست بديلاً عن الدبلوماسية. إنهما مساران متكاملان ضمن استراتيجية وطنية تسعى إلى حماية الدولة، وتوسيع هامش حركتها، وتقليل احتمالات الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالحها. ومن ناحية اخرى فالأمن الفكري والإعلامي هوالجبهة التي لا تُرى حيث تتجاوز التهديدات المعاصرة الحدود المادية لتصل إلى المجال المعلوماتي، حيث يمكن للشائعات والمعلومات المضللة والمحتوى التحريضي أن تؤثر في ثقة الجمهور بالمؤسسات، وتزيد الاستقطاب، وتربك النقاش العام في لحظات الأزمات. وتكمن خطورة هذا النوع من التهديدات في قدرته على استثمار الأحداث الحقيقية، أو اقتطاعها من سياقها، أو تقديمها بصورة مضللة لإنتاج انطباعات لا تستند إلى معلومات مكتملة. ولذلك، فإن التعامل معه يتطلب منظومة وطنية تقوم على سرعة توضيح الحقائق، ورفع مستوى الثقافة الإعلامية، والتحقق من المصادر، وتعزيز التواصل المؤسسي. لكن حماية الوعي الوطني لا تتحقق بمجرد مواجهة الشائعات، بل تحتاج أيضاً إلى إعلام مهني وشفاف، ومؤسسات تتواصل بوضوح مع المواطنين، ومجتمع يمتلك القدرة على التمييز بين النقد المشروع والتضليل المتعمد. .فالثقة المجتمعية مورد استراتيجي، وتعزيزها يمثل أحد مقومات المناعة الوطنية في مواجهة التحديات.
تكشف الأزمات المتكررة في الشرق الأوسط أن أمن الدول العربية مترابط، وأن تداعيات الصراع في دولة واحدة قد تمتد إلى جيرانها عبر الحدود والاقتصاد والطاقة والمياه وحركة السكان والملاحة الدولية. غير أن الترابط وحده لا يكفي لبناء أمن عربي فعال إذ يتطلب الأمر الانتقال من التنسيق الذي تفرضه الأزمات إلى تعاون مؤسسي طويل الأمد، يقوم على تبادل المعلومات، وتعزيز القدرات الدفاعية، والتدريب المشترك، والتعاون في الأمن السيبراني، والاستعداد للطوارئ، وحماية الموارد الحيوية. ويمكن للأردن أن يسهم في هذا المسار من خلال خبرته في إدارة التحديات الحدودية، ومشاركته في الجهود الدبلوماسية، وتطوير التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، مع مراعاة اختلاف أولويات الدول وتقديراتها الاستراتيجية. إن الأمن العربي ليس مسؤولية دولة واحدة، ولا يمكن اختزاله في الاستجابة العسكرية وحدها فهو مشروع متكامل يحتاج إلى إرادة سياسية، وتعاون اقتصادي، وتنسيق أمني، ومعالجة سياسية للصراعات، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. إن التحدي الأهم أمام دول المنطقة لا يتمثل فقط في احتواء الأزمة القائمة، بل في بناء القدرة على الصمود أمام الأزمات المقبلة. وهذا يتطلب خططاً تستند إلى تقييم دوري للتهديدات، وسيناريوهات واضحة لإدارة الطوارئ، واستثماراً في التكنولوجيا والكوادر البشرية، وتعزيزاً للأمن الاقتصادي والغذائي والمائي، وتكاملاً بين المؤسسات العسكرية والمدنية.
وبالنسبة إلى الأردن، فإن الحفاظ على الاستقرار يتطلب استمرار تطوير منظومة الأمن الوطني بكل أبعادها، وتعزيز الجاهزية الدفاعية، وحماية الجبهة الداخلية، وتوسيع التعاون العربي، والاستفادة من الدبلوماسية في تقليل المخاطر قبل تحولها إلى مواجهات مفتوحة.
كما أن بناء القدرة الوطنية لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل يشمل وعي المواطن، وتماسك المجتمع، وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وكفاءة المؤسسات في الاستجابة السريعة للأحداث
