النازحون إلى السماء
سأمرُّ من خلف الضلوعِ إلى غدي
متوشحاً بالحلمِ والحرفِ النَّدِي
بيدي سأمسكُ معصمَ المعنى إذا
فرَّت تعابيرُ المعاني من يدي
وإذا الطيورُ أتتْ سليمانَ الرؤى
سيعبُّ من نبأِ التجلِّي هدهدي
ألقي قميصَ مشاعري ورداً على
وجهِ المدى فيعود يبصرُ مقصدي
**
وأعوذُ بالصمتِ الذي غسلَ الصدى
فَمَهُ بملحِ أجاجِهِ المتجمّدِ
في قابِ قوسٍ منهُ أو أدنى ركنْتُ
مخاوفي، ومسكتُ قوسَ تجَلُّدي
وعبرتُ شطآنَ الحكايةِ.. طافَ بي
جسدٌ طَفَا فوقَ الخِضَمِّ المزبدِ
ولمسْتُ أطرافَ الحقيقةِ .. مَدَّ لي
درويشُها طرَفَ الصراطِ لأهتدي
أرنو لأغصان السلام وكلَّما
آنسْتُ غصناً؛ بالمخاطرِ يرتدي
آنسْتُ غصناً برزخَتْهُ يدُ الوغى
فذوَى على جمرِ الصراعِ المُوقَدِ
لا التينُ والزيتونُ أثمرَتَا ولا
ماءٌ تحرَّرَ من قيودِ الجلمدِ
**
عشرونَ طائفةً تحجُّ مدينتي
تقضي صلاةَ الخوفِ ذاتَ تعبُّدِِ
وتطوفُ حولَ الوهمِ ضارعةَ الخطى
سبعينَ شوطاً في المسار الأسودِ
من غارةٍ حبلى تسيرُ لمثلِها
من منتهى زحفٍ بزحفٍ تبتدي
**
خمسونَ صاروخاً يكشِّرُ نابَهُ
ينقضُّ، ينهشُ في ضلوعِ السُّجَّدِ
تسعونَ مئذنةً تئنُّ كمثلِما
شيخٍ على التسعين شارفَ، مُجهَدِ
ملْءُ المدى المفتوحِ أشلاءٌ، دَمٌ،
لغةٌ تُجسِّدُها شفاهُ المشْهَدِ
**
خمسونَ صاروخاً وألفُ شظيَّةٍ
للموتِ تفتحُ كلَّ بابٍ موصدِ
وسلالمٌ ضاقت بخطْوِ النازحينَ
إلى السما، اخْتنقتْ ضلوعُ المصْعدِ
للعائدينَ من المنايا ضحكةٌ
حبلى بنشوةِ غائبٍ لم يُولَدِ
**
خمسونَ صاروخاً وألفُ قذيفةٍ
عبرت شوارعَ حزنِنا المتجدَّدِ
في كلِّ زاويةٍ لفاتحةِ الرحيلِ
صدَى، وصرخةُ مستغيثٍ مقعدِ
شعبٌ يسافرُ في الخرائطِ شارداً
والريحُ تشربُ من عيونِ مشرَّدِ
تمضي قوافلُهم بلا عددٍ إلى
تِيهٍ تروحُ، إلى ضياعٍ تغتدي
وتذوبُ تحتَ النارِ أرضٌ أصبحت
في كفِّ عفريتِ الأسى المتمرِّدِ
صهرَ الحصارُ جمالَها ونُضارَها
وقرارَها، فانْهارَ كلُّ مُشَيَّدِ
**
الخوفُ للصندوقِ جرَّ الأغنياتِ
وصاحَ بي: وضَّاحُ، هيَّا.. أنْشِدِ
لا صوتَ لي.. غطى دويُّ الإنفجاراتِ
الحناجرَ، شَلَّ صوتَ مُغَرِّدِ
لا ثغرَ لي.. سكنَ الأنينُ جهاتِهِ
وعلى الشفاهِ أسَىًٰ يطوفُ بمَعْبدِ
تتسرْمدُ الآهاتُ ملءَ حلوقِنا
كمَداً؛ فنعْتنقُ الذبولَ السرمدي
.........


