
مقال دقيقة للقراءة
عَبَرَاتٌ بِلَا عِبَر: فِي نَقْدِ حِكْمَةِ الأَلَمِ
تَقِفُ النفسُ على أَتَابِيبِ السِّنِينَ مُثْقَلَةً بِجِرَاحِهَا، لا تَستَجْدِي خَيْرًا مِنْ صَرْفِ الدَّهْرِ، ولا تَرَى فِي خُطُوبِهِ خَبِيئَةَ نِعْمَةٍ ولا صَقْلَ جَوْهَرٍ. إنَّ الإِنْسَانَ حِينَ تَتَطَاوَلُ عَلَيْهِ العَادِيَاتُ وَتَطْحَنُ خَافِيَتَهُ المَصَائِبُ، يَزْهَدُ فِي سَرَابِ الحِكْمَةِ المُتَوَهَّمَةِ، وَيَنْفُضُ يَدَيْهِ مِنْ كُلِّ امْتِنَانٍ لِأَيَّامٍ لَمْ تُورِثْهُ إِلا الشَّجَنَ والتَّلَفَ. لَمْ يَكُنْ المُرَادُ أَنْ تَصِيرَ الرُّوحُ صِلْدًا كَالجَلَمُودِ مِنْ كَثْرَةِ القَرْعِ، وَلا أَنْ يَلْتَفَّ الحِجَا بِرِدَاءِ الفَطَنَةِ المَعْمُودَةِ بِالدَّمِ؛ بَلْ كَانَ المَبْغَى خَفِيفًا كَزَفْرَةِ السَّحَرِ: أَنْ نَحْيَا. أَنْ نَمُرَّ عَلَى ثَرَى هَذِهِ الدَّارِ مَرَّ النَّسِيمِ العَابِرِ، بلا رَزَايَا تُدْمِي الأَفْئِدَةَ، وَلا عَِبَرٍ تُسْتَلُّ مِنْ أَنْشَاطِ الأَرْوَاحِ المَكْلُومَةِ. مَا المَجْدُ فِي خَوْضِ الوجَى لِتَعَلُّمِ دَرْسٍ قَاسٍ، وَمَا الجَدْوَى مِنْ جَلَدٍ يُبْنَى عَلَى أَنْقَاضِ الهُدُوءِ والسَّكِينَةِ؟ إنَّ الامْتِنَانَ لِلتَّجَارِبِ المُرَّاتِ دَلِيسَةٌ طَالَمَا تَلَاهَا العُزَاةُ لِيَسْتَنْزِلُوا الصَّبْرَ؛ أَمَّا الحَقِيقَةُ الرَّابِضَةُ فِي شِغَافِ الظَّلَامِ، فَهِيَ أَنَّ الرُّوحَ قَدْ تَعَبَتْ مِنْ الدَّوْرِ المَقْضِيِّ عَلَيْهَا فِي طَاحُونَةِ الزَّمَنِ. كَانَتْ الرَّغْبَةُ المَحْضَةُ هِيَ الأَمَانَ البَسِيطَ، العَيْشَ فِي بَلاَهَةِ المَطْلَبِ العَفَوِيِّ، دُونَ أَنْ تَتَخَطَّفَنَا الخُطُوبُ كَيْ تُثْقِلَ كَوَاهِلَنَا بِحِكَمٍ هَيْمَاءَ، لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ أَلَمٍ. تَهْتَصِرُ الأَيَّامُ فِي القَلْبِ بَقَايَا الرَّجَاءِ، فَيَبْقَى صَدَى الفَقْدِ وَالوِحْدَةِ يَتَرَدَّدُ فِي المَهَاوِي المَجْهُولَةِ لِلنَّفْسِ. إنَّهُ أَمَدٌّ مِنْ اليَأْسِ الرَّصِينِ، يَيْئَسُ فِيهِ المَرْءُ حَتَّى مِنْ شِكَاَيَتِهِ، وَيَلْتَفِعُ بِالسَّوَادِ كَأَنَّمَا لَمْ يَبْقَ فِي الأُفُقِ سِوَى غَمَامَةٍ دَاجِيَةٍ، لا طََائِلَ مِنْ وَرَائِهَا وَلا نُورَ؛ فَقَدْ جَفَّتْ حِيَاضُ المُنَى، وَصَارَتْ الحَيَاةُ شَهْقَةً غَرِيقَةً فِي بَحْرٍ لَا يَعْرِفُ القَاعَ.
فطوم سيد 🥹🌸
