
مقال 9 دقائق للقراءة
داوود عليه السلام.
داوود عليه السلام _ سلسلة الأنبياء والرسل عليهم السلام _ مدونة العز ابن عبدالسلام السبئي.
دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة وفسادهم
دخل بنو إسرائيل الأرض المقدسة (فلسطين) واستقروا بها، وكان ذلك على يد يوشع بن نون، وصاروا يعبدون الله على المنهج الذي جاء به موسى عليه السلام، وبعد مدة عادوا إلى طبائعهم الفاسدة مرة أخرى، فكفروا بأنعم الله، وانحرفوا عن الطريق المستقيم، فسلَّط الله عليهم ملكًا جبارًا اسمه جالوت، فقتل رجالهم، وسبى نساءهم وأطفالهم، وأخرجهم من بيوتهم، وأخذ منهم التابوت المقدس، وكان فيه الألواح الخاصة بالتوراة، وعصا موسى، وبعض الأشياء الخاصة بهارون عليهما السلام.
طلب بني إسرائيل ملكًا يقودهم لقتال جالوت
أراد بنو إسرائيل قتال جالوت وجنوده، ولم يكن لهم في تلك الفترة ملك يوحِّد صفوفهم لقتال هذا الملك الجبار، وكان من بينهم آنذاك نبي من أنبياء الله، فذهبوا إليه وأخبروه أنهم يريدون ملكًا عليهم لمحاربة جالوت.
فتعجب نبيهم من هذا الطلب، وذكَّرهم بأنه يخشى إن فُرض عليهم القتال أن يرفضوه، ولكنهم أكدوا له عزمهم على القتال، فقد طُردوا من بيوتهم، وأُبعدوا عن أبنائهم، ولم يعد لهم سبيل إلى استرداد حقوقهم إلا بمواجهة عدوهم.
اختيار طالوت ملكًا على بني إسرائيل
فأوحى الله إلى نبيهم أن يخبرهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ملكًا، فلما أخبرهم بذلك تعجبوا وغضبوا من هذا الاختيار؛ إذ كان كثير منهم، وخاصة الأغنياء وأصحاب المكانة، يطمعون في أن يكون أحدهم هو الملك الذي يوحِّد الصفوف لقتال جالوت، وتكون له الهيمنة والسلطان، ويحظى بشرف الحكم والقيادة.
ومن أجل ذلك اعترض كثير منهم على اختيار طالوت ليتولى الملك من بينهم، وقالوا إنهم أحق بالملك منه.
فأخبرهم نبيهم أن هذا اختيار الله سبحانه وتعالى، وأنه قد زاد طالوت بسطة في العلم والجسم، وأن الله يؤتي ملكه من يشاء.
وجعل الله علامة ملك طالوت أن يأتيهم التابوت الذي أخذه جالوت من قبل، تحمله الملائكة، ليكون في ذلك دليل على صدق اختيار الله لطالوت.
فعادت الملائكة بالتابوت، ووضعته أمام بني إسرائيل، فلما رأوا ذلك اطمأنوا إلى اختيار طالوت، ورضوا به ملكًا عليهم.
أمر طالوت بني إسرائيل بالخروج للقتال
أوحى الله إلى نبي بني إسرائيل أن يخبرهم بأن الله يأمرهم بالخروج مع طالوت لقتال عدوهم الذي أذلهم، وأسر أبناءهم، وسبى نساءهم، وأخرجهم من ديارهم.
ولكن بني إسرائيل امتنعوا عن القتال إلا قليلًا منهم تشجعوا واستعدوا للمواجهة، فساروا مع طالوت للقاء جالوت وجنوده.
وكانت تلك القلة المؤمنة هي التي استجابت لأمر الله، وعزمت على مواجهة العدو رغم قلة عددها وشدة الخطر الذي ينتظرها.
اختبار طالوت لجنوده عند النهر
سار طالوت وجنوده في طريق صحراوي لا ماء فيه، فاشتكى بنو إسرائيل من شدة العطش والظمأ، فطمأنهم ملكهم طالوت، وطلب منهم الصبر ومواصلة السير.
وبعد لحظات اقترب طالوت وجنوده من نهر، فقال لهم طالوت إن الله سيختبرهم بهذا النهر، فمن شرب منه كثيرًا فليس منه، إلا من اغترف غرفة بيده يروي بها ظمأه.
فلما وصل طالوت وبنو إسرائيل إلى النهر، لم يستجب أكثرهم لأمر الملك، فشربوا منه حتى ارتووا، ولم يلتزم بأمره إلا قليل منهم.
فأمر طالوت الذين شربوا من النهر حتى شبعوا أن يعتزلوا الجيش، ثم واصل سيره مع القلة التي ثبتت على أمر الله، وعبر النهر متجهًا إلى جيش جالوت.
ثبات المؤمنين أمام جيش جالوت
لم يكن الطريق إلى المعركة سهلًا؛ فحتى القلة التي ثبتت مع طالوت تراجع بعض أفرادها، وأصابهم الخوف عندما رأوا كثرة جنود جالوت وقوتهم.
ولم يصبر مع طالوت إلا المؤمنون الصادقون الذين أيقنوا أن النصر بيد الله، وأن كثرة العدد وحدها لا تضمن الغلبة، وأن الله ينصر من يشاء بحكمته وقدرته.
ولما ظهر جالوت وجنوده أمامهم، توجه المؤمنون إلى الله بالدعاء، قائلين:
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250].
لقد لجؤوا إلى الله يستمدون منه الصبر والثبات، ويطلبون منه النصر على عدوهم، بعد أن أخذوا بأسباب المواجهة واستعدوا للقتال.
مبارزة داود لجالوت وقتله
في ميدان القتال وقف جالوت وجنوده في ناحية، وطالوت ومن معه في ناحية أخرى، ثم تقدم جالوت على حصانه، مرتديًا دروعه ومسلحًا بسلاحه، ونادى بأعلى صوته طالبًا من يبارزه ويقاتله.
وكان في جيش طالوت داود عليه السلام، الذي يرجع نسبه إلى إبراهيم عليه السلام، فتقدم داود لمبارزة جالوت، بعدما امتنع غيره عن الخروج إليه.
وبإذن الله، استطاع داود عليه السلام أن يقتل جالوت، فانهزم جيشه وفر جنوده، وانتصر المؤمنون على عدوهم رغم قلة عددهم وضعف إمكاناتهم.
وهكذا تحققت إرادة الله، وانتصر الحق على الباطل، وكان النصر بفضل الله وتوفيقه، لا بكثرة العدد ولا بقوة السلاح وحدهما.
قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: 251].
داود عليه السلام نبيًّا وملكًا
بعد انتهاء المعركة، بدأت مرحلة جديدة في حياة بني إسرائيل، فقد جمع الله لداود عليه السلام الملك والنبوة، فكان ملكًا نبيًّا، وآتاه الله الحكمة، وعلَّمه مما يشاء.
وأنزل الله عليه الزبور، وهو كتاب من كتب الله المقدسة، اشتمل على المواعظ والحكم والذكر والتسبيح.
قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163].
وهكذا اصطفى الله داود عليه السلام، وجعله نبيًّا وملكًا، وأكرمه بفضائل عظيمة، وجعل له مكانة رفيعة بين أنبيائه.
تسبيح الجبال والطير مع داود عليه السلام
أعطى الله داود عليه السلام صوتًا حسنًا جميلًا، وكان إذا قرأ الزبور وسبَّح الله، سبَّحت معه الجبال والطير، بأمر الله وقدرته.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 18-19].
وكان ذلك من آيات الله التي أكرم بها نبيه داود عليه السلام، ودليلًا على عظيم قدرته سبحانه وتعالى، إذ جعل الجبال والطير تسبح بحمده مع نبيه.
تعليم الله داود صناعة الدروع
ومن نعم الله على داود عليه السلام أنه ألان له الحديد، فكان يستطيع تشكيله وصنع الدروع منه بسهولة، لتكون واقية للمقاتلين في الحروب.
قال الله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: 10-11].
وقد علَّمه الله صناعة الدروع المحكمة، لتكون نافعة في حماية الناس، وأمره بالشكر والعمل الصالح، فكان في ذلك دليل على فضل العمل والإتقان، وأن النعم التي يمنحها الله لعباده ينبغي أن تُستعمل فيما ينفع.
قصة الخصمين ودرس العدل في الحكم
أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلِّم داود عليه السلام درسًا في العدل والقضاء، وأن يبيِّن له أهمية التثبت وسماع أقوال الخصوم قبل إصدار الأحكام.
فبينما كان داود عليه السلام في محرابه يتعبد لله، فوجئ برجلين تسوَّرا المحراب ودخلا عليه، فخاف منهما وفزع، إذ دخلا عليه بطريقة غير معتادة.
فقالا له: لا تخف، نحن خصمان ظلم أحدنا الآخر، وقد جئنا إليك لتحكم بيننا بالحق والعدل.
ثم عرض أحدهما قضيته، فقال إن له أخًا يملك تسعًا وتسعين نعجة، بينما لا يملك هو إلا نعجة واحدة، وإن أخاه أراد أن يأخذ نعجته ليكمل بها مائة نعجة.
فاستعجل داود عليه السلام في الحكم، فقال إن صاحب النعجة الواحدة قد ظُلم بطلب أخيه أن يضم نعجته إلى نعاجه.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: 24].
ثم أدرك داود عليه السلام أن الله ابتلاه بهذا الموقف، فاستغفر ربه وأناب إليه.
وتعلّم من هذا الابتلاء عظيم مسؤولية الحكم بين الناس، وضرورة التثبت في القضايا، وعدم التسرع في إصدار الأحكام قبل استكمال النظر في الخصومة.
وقد دلَّت هذه القصة على أهمية العدل، وأن صاحب السلطة والقضاء ينبغي أن يكون شديد الحرص على الحق، بعيدًا عن الهوى والتسرع.
عبادة داود عليه السلام وكثرة تسبيحه
كان داود عليه السلام كثير العبادة والذكر والدعاء والصلاة، ملازمًا للتوبة والإنابة إلى الله، ولذلك أثنى الله عليه في كتابه الكريم.
قال الله تعالى:
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17].
ومعنى قوله تعالى: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ أنه صاحب قوة، ومن ذلك قوته في طاعة الله وعبادته، ومعنى ﴿أَوَّابٌ﴾ أنه كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة والذكر.
وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبادة داود عليه السلام، فقال: «أحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» [متفق عليه].
وهذا يدل على اعتدال عبادة داود عليه السلام، وحرصه على القيام بحق الله، مع إعطاء الجسد حقه من الراحة.
عمل داود عليه السلام وكسبه من يده
لم يكن داود عليه السلام، مع ما آتاه الله من الملك والنبوة، يعتمد على ما لديه من سلطان ومال، بل كان يأكل من عمل يده، ويحرص على الكسب الحلال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» [رواه البخاري].
وفي ذلك درس عظيم في قيمة العمل، وفضل الكسب الحلال، ورفعة الإنسان حين يعتمد على جهده، مهما علت مكانته أو ارتفعت منزلته.
وفاة داود عليه السلام وخلافة سليمان عليه السلام
مضى داود عليه السلام في حياته نبيًّا وملكًا، يعبد الله ويحكم بين الناس بالعدل، حتى انتهت حياته، ثم تولى من بعده ابنه سليمان عليه السلام، الذي آتاه الله الحكمة والنبوة والملك.
قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]. وهكذا انتقلت النبوة والملك إلى سليمان عليه السلام، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ بني إسرائيل، حافلة بآيات الله ونعمه على نبيه سليمان عليه السلام.
العبر المستفادة من قصة داود عليه السلام
تعلمنا قصة داود عليه السلام أن النصر لا يكون بكثرة العدد وحدها، بل بتوفيق الله والثبات على الحق. وتعلمنا أن الإيمان الصادق يظهر عند الشدائد، وأن الصبر والثبات من أعظم أسباب تجاوز المحن. كما تعلمنا أن اختيار القائد ينبغي أن يقوم على الكفاءة والعلم والقوة، لا على المال أو المكانة الاجتماعية. وتبين لنا قصة الخصمين أهمية العدل والتثبت قبل إصدار الأحكام، وأن المسؤولية تقتضي سماع أقوال الأطراف وعدم التسرع في القضاء. وتعلمنا حياة داود عليه السلام فضل العبادة والإنابة إلى الله، وقيمة العمل والكسب الحلال، وأن علو المكانة لا ينبغي أن يمنع الإنسان من التواضع والاجتهاد. لقد كان داود عليه السلام نبيًّا ملكًا، جمع الله له الحكمة والعبادة والقوة، وجعل في قصته دروسًا عظيمة في الإيمان والصبر والعدل والعمل الصالح.
