قصة قصيرة .. الماضي
الكاتب: سهل أبو معلا ( أبو فارس معلاوي )
..
بينما كنت أتجول في قبو المنزل أبحثُ عن معول، دستُ على شيءٍ ما، فصوت طقطقة خفيفة هز أذني، فانتبهت، وأبصرت الأرض أسفلي؛ كان بلاستيكي البدن. التقطتهُ، إنه شريط كاسيت غطت الأتربة ما عليه من كلمات، فنفضته ومسحته، فظهرت ("الماضي" لعمرو دياب).
كل شيء تغير من حولي، الألوان أصبحت أكثر غمقة، ورائحة المكان أخذت تتخمر في أنفي، تنهدتُ شهقةً طويلة، ونظرتُ لشاشة جوالي فشاهدت التاريخ وأنا أرتجف: العاشر من أكتوبر 2026!
أعدتُ النظر إلى الشريط، حرف الباء يمتد محدودباً، والواو وكأنها تريد الالتصاق بالراء من خلفها؛ نعم، هي تلك الأيام، قبل أن تتلبسني الهزائم من كل صوب، قبل أن أبدأ المعارك أصلاً، حين كنا نرى من القبح جماله، ومن العنف براءته.
أمسكتُ الشريط راجفاً، أحاول أن أتذكر يوم ابتعته من المحل؛ أين المحل؟ أي محل؟ جلستُ وهو بين كفي كطفل رضيع، أهذا ما بقي من تلك الأيام؟!
ذلك العالم الذي ابتلعه الزمن، لم يبق منه سوى هذا الشريط. بدأ دماغي يدندن تلك الأغنية، لا كلماتها ولا ألحانها، بل تلك الموسيقى التي تجول في مسامعي مصطحبة معها صوت أمي في المطبخ، وصوت التلفاز على (ماوكلي)، وصياح أخوتي مع كل معركة له مع بهائم الغابة. كنت أغلق غرفتي بإحكام لأستمع إلى ("الماضي ده كان كله جراح")، لكن هيهات أن أستمع لها بشكل منعزل! ربما هذا ما أتمنى العودة إليه: صوت الأغاني ممزوجاً بكل أصوات من أفتقدهم الآن.
أجلس في القبو وكل شيء يرتجف حولي، فركتُ الشريط جيداً، ومسحته بملابسي، وقد اغرورقت عيناي رغم أنفي. نعم، تذكرت يوم ابتعته، حينها تشاجرت مع أخي الأكبر الذي كان يجمع النقود لشراء كرة قدم، وحين جئت بالشريط صاح في وجهي، سبني وكاد يخطف الشريط مني لتحطيمه، لولا أنني تشبثت به، ولم يمنعه عني سوى أمي.
إني أشتاق إليه كثيراً، منذ خمس سنوات لم أره بعد أن سافر عنا مع أسرته.
أمسكتُ جوالي وقد مزقتني الأشواق، فأجريت اتصالاً دولياً عليه...
ـ ألو.. كيفك أحمد؟
ـ أهلاً.. خير، هل أنتم بخير؟
الدموع أغلقت فمي للحظات، خفت أن يسمع شهقاتي فيظن أننا في أزمة.. بعد ثوانٍ نطقتُ:
ـ نعم.. نعم بخير.
ـ سأكلمك لاحقاً.. أنا في اجتماعٍ الآن.
كان صوته كثيفاً مركزاً كزوبعة تهدر من مبعدة. لا ألومه، فهذا هو صوت الناس الآن، إنها كلمات الخلاصة، لا وقت للتفاصيل.
مسحتُ دموعي، خرجتُ من القبو، وتركتُ الشريط بداخله.
..

9