
مقال دقيقتان للقراءة
مقتطف من رواية "عنبر"
ان تجد رجلًا بالغًا داعب الشيب ذقنه و رأسه يقف امام كاميرا و مصدح، وضعوا لنقل صورة جميلة عن حياة الناس اليومية بفضل عهد الأمان الذي نعيشه ، ترتعش شفتاه و يفتح عينه على مصراعيها و الدمع يرقص بعنف على اسوار رموشه دون ان يذرف و حامل الكاميرا و صاحب المصدح ينتظرون منه ان يتقن الديباجة المعتادة من الشكر و المدح ، فينطلق صوته مرتبكا مرتعشاا خائفا دون حول و لا قوة مدفوعا بفقر كافر و عجز قاهر : نا لم ينصفني وطني! ارتعش حامل الكاميرا و لم يعلم ا يواصل التسجيل ام يتوقف ، و اغتنم حامل المصدح الفرصة عساه يظفر بتسجيل يزج بصاحبه في غياهب الظلمة و ينطلق به الى عالم النور عبر باب الوشاية فيسأله : -لم نسمع كلامك جيّدا ماذا قلت .. فيسترسل الجسد المنهك امامهم : لم ينصفني وطني ، لا مدير المشفى قبل ان يقابلني و لا المعتمد اخذ ما قلته على محمل الجد و لا الوالي وجد لي بعضا من الوقت في رزنامته اليومية (تهتز شفاهه بعنف و تختنق حنجرته بغصة الوجع) ابني لا املك سواه عمره سنة ، فقط سنة لم ينطق فيها كلمة بابا حتى ، مريض ،مريض جدا و انا .. انا فقير لا املك ثمن علاجه ، لا املك ملف ابيض او ضمان اجتماعي ، انا والده اراه يموت كل ثانية امام عيني و لا املك له شيء .. اريد ان يستمع لكلامي سيدي الرئيس ، ان ينصفني سيدي الرئيس ، لا اطلب لنفسي لا عملا و لا جراية و لا التفاتة ، فقط ابني صغيير على المرض ،لا ذنب له ان يكون والده فقيرا انا لا املك قوت يومي لكنني اب ، ابني مريض سيدي الرئيس .. لم يعلم المسكين ان ما افصح به لم يسجل منه سوي جملة او اثنين و ان المصور ضغط زر الايقاف منذ زمن و حامل المصدح لم يكن يسمع اصلا ، كان ضجرا ينتظر متى ينتهي من الكلام حتى يتجاوزه ليجد غيره ممن يتقنون الديباجة ..
- ان شاء الله السيد الرئيس يتابعنا باهتمام و كلامك هذا امانة و اعتبره مضمون الوصول ..
و مر كلامهما بجانبه ،مر كلاهما عبره، مر كلاهما دونه، مر كلاهما و ذاك الواقف المذبوح بقهره لم يشفى بعد من عجزه ، لم يتجاوز فقره ، لم يطفئ قهره ، ربّما زرع وعدهم املا في صدره ،ربما سيعود مسرعًا لزوجته و يأخذ طفله من حضنها ليسره بكلام لن يفهمه من في سنه ،انه سيشفى قريبا و ان الفرج قادم على يد السيد الرئيس ، لم يشفى ابنه بعد و لن يشفى بل سيبقى شرخا في صدر ذويه و غضبا مختبئا تحت رماد الخوف حتى يأذن القدر ..
